مدير «العباسية» لـ«البديل »: لدينا مرضى منذ 50 عامًا ولم نستدل على أهاليهم

«الحوت الأزرق» تستهدف المرضى النفسيين.. ومع كثرة ضغوط اللعبة وزيادة نسبة الكورتيزون يصلون للانتحار

انتشار الاكتئاب بمصر طبيعي.. فكلما زاد التحضر.. انتشرت الأمراض النفسية

أشياء غريبة.. سلوك عنف غير مبرر.. حوادث انتحار نتيجة للعبة على الهاتف المحمول.. أسماء غير مألوفة لأنواع مخدرات , أمور غريبة طرأت مؤخرًا على المجتمع المصري لم نكن معتادين سماعها من قبل, فنجد حادثًا لشاب يحاول اقتلاع قلب والدته بملعقة، وآخر قام بالانتحار بسبب لعبة على المحمول.. دراسات وأبحاث تتحدث عن إصابة الشعب المصري بأمراض الاكتئاب, حالة غير مبررة من العنف أصابت معظم أبناء الشعب المصري.

كل هذه الأمور تستدعي التساؤل عن أسباب انتشارها بصورة علمية دقيقة، دعتنا إلى التحاور مع الدكتور جمال عبد العظيم مدير مستشفى العباسية للصحة النفسية، الذي قام بتحليل العديد من تلك الظواهر الشاذة على المجتمع المصري من منظور علمي دقيق..

وإلى نص الحوار.

الأمراض النفسية زادت مؤخرًا بنسبة كبيرة , فما السبب الرئيسي لانتشارها؟

ارتفاع الأمراض النفسية مرتبط بالتحضر، فكلما زاد التحضر، زادت نسبة تعقيدات الحياة، وزادت بالتالي الضغوط النفسية على البشر, كما أن ثقافة المجتمع تغيرت، فأصبح الناس يعترفون بالأمراض النفسية عن ذي قبل، حيث كان البعض يخجل من الاعتراف أن لديه ابنًا أو أخًا مريضًا نفسيًّا، ويطلقون عليه لقب “بتاع ربنا”، ويقومون بإخفائه, ولكن الأهالي الآن أصبحوا أكثر وعيًا وعلمًا بأن ليس كل مريض نفسي بحاجة إلى الاحتجاز بالمستشفى، ولكن البعض بحاجة إلى حجز؛ حتى تختفي الأعراض النشطة الخطيرة فقط، وبعدها يبدأ في رحلة التأهيل التي تعيده إلى الانخراط بالمجتمع مرة أخرى, أي أن الفكرة التي كانت سائدة بالمجتمع بأن الداخل للمستشفيات النفسية مفقود تبدلت تمامًا الآن.

ولكن لا يزال هناك نبذ للمريض النفسي حتى بعد التعافي، فهل للأطباء دور في توعية الأهل بكيفية التعامل معه؟

بالفعل، ولكن هذا النبذ أو الوصم ليس في كل الأوساط, فالأمر يتوقف على درجة الثقافة والوعي، فعلى سبيل المثال بعض المريضات قد يسلكن سلوكًا شائنًا خلقيًّا ناتجًا عن عدم وعي أو نوبات هوس، ومنها تقوم بسلوك قد لا تنتهجه في حالة كونها طبيعية، وهنا يجب تدخل الطبيب لشرح الحالة لأهلها والتأكيد على أنها تعاني اضطرابًا وجدانيًّا يدفعها للقيام بمثل ذلك السلوك.

هناك دراسات أثبتت أن أكثر الأمراض النفسية التي يعاني منها المصريون هو مرض الاكتئاب، فما تعليقك على ذلك؟

الاكتئاب مرض منتشر عالميًّا، ولكن يجب التفرقة العلمية الدقيقة بين أنواع الاكتئاب، فهناك اكتئاب نفسي، وهو اكتئاب وقتي، ويطلق عليه التفاعلي، أي انه نتيجة لضغوط أو أحداث معينة تمر على حياة الإنسان، وعلاجه بسيط، وإذا زاد الأمر على 40 يومًا، نبدأ في وصف علاجات مضادة للاكتئاب, وهناك اكتئاب ناتج عن أعراض انسحاب مخدر ما من أجساد الأشخاص الذين وقعوا تحت براثن إدمان المخدرات، والمريض هنا يعاني من أعراض الاكتئاب أثناء فترة الانسحاب. إما الاكتئاب الذهاني فهو الأخطر، ويعتبر شقًّا من شقي الاضطراب الوجداني، خاصة إذا صحب هذا الاكتئاب أعراض ذهانية، وهذا الاكتئاب يسمى الاكتئاب الجسيم، ويحتاج إلى تدخل علاجي مكثف، وقد يحتاج المصاب بهذا النوع من الاكتئاب إلى الاحتجاز بالمستشفى؛ لأنه يعاني أفكارًا انتحارية أو عدوانية تجاه الآخرين.

يعاني سوق الدواء بشكل عام أزمة نقص الأدوية، فهل هذه الأزمة تؤثر على المرضى النفسيين الذين يكونون بحاجة دائمة إلى الأدوية؟

نتجنب تلك الأزمة من خلال مراقبة المخزون السلعي، فقبل أن يبدأ الدواء في النقصان أو يوشك على النفاد، فإننا قبل انتهائه بشهر، نقوم بتوفيره؛ لأنه من المستحيل أن تنقطع الأدوية عن المرضى النفسيين؛ لذا لا ننتظر وصول الرصيد إلى الصفر حتى نبدأ في توفيره.

وماذا عن أزمة نقص عدد الأسرة بالمستشفى؟ وهل مكوث مرضى بالمستشفى منذ عشرات الأعوام له تأثير على عدم كفايتها؟

بالفعل لدينا مرضى متواجدون بالمستشفى منذ فترة طويلة، قد تصل إلى 50 عامًا, دخلوا عن طريق الشرطة، ولم يستدل على أهاليهم, ومن يستدل على أهله، نحاول التفاهم معهم لإلحاقهم بدور رعاية تابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، ونقوم بتأمين علاجهم من خلال وحدة الطب المجتمعي ضمن وحدات المستشفى، ونؤكد لهم أنه في حالة الانتكاس سوف نقبلهم بالمستشفى مرة أخرى؛ وذلك حتى نتمكن من تحقيق سرعة دوران السرير الواحد وخدمة أكثر من مريض وتلافي أزمة نقص الأسرة.

انتشرت مؤخرًا صور من داخل مستشفى العباسية لتعذيب المرضى وركلهم وتم إيقاف كافة المسئولين بالمستشفى، فما تعليقك على تلك الصور؟

يجب توضيح الأمر أن محتوى كادر الصور والفيديو كان لمريضتين إحداهما كفيفة، والاثنتان ترتديان الحفاضات، والممرضات كنَّ يقمن بالعناية اليومية لهن، وإحدى الممرضات قامت بالتصوير والترويج على أنه تعامل جسدي مع المرضى؛ مما أدى إلى إيقاف فريق التمريض وإيقافي شخصيًّا لفترة، ولكن الممرضة التي قامت بالتصوير لا تزال معروضة على النيابة الآن؛ لأنه تم الترويج للأمر بصورة خاطئة.

حديث الساعة الآن ألعاب تؤدي إلى الانتحار على الهواتف المحمولة، ما التحليل العلمي الدقيق لتلك الألعاب؟

ألعاب الموت وأشهرها الحوت الأزرق المستهدف فيها ليس الأطفال أو المراهقين كما روج البعض، ولكن المستهدف فيها المرضى النفسيون الذين يعانون من اضطراب الشخصية الحدية، وهو اضطراب يعاني فيه المريض من تغيير الهوية، أو يكون عدوانيًّا بصورة كبيرة، ولا يتحمل الإحباط، ولا يهدا إلا بعد أن يقوم بتشريح جسده بآلة حادة أو بأظافره على سبيل المثال، وهذه العلامة هي أبرز علامات المرض, وهي الفئة المستهدفة من لعبة الحوت الأزرق بصورة قوية، فبتحليل الأمر سنجد أن اللعبة تتكون من خمسين خطوة، الخطوة الأولى هي رسم صورة للحوت الأزرق على الجسد وتصويرها وإرسالها للمسئولين عن اللعبة، وهذا بمثابة اختبار للشخص وتحديد إذا كان مصابًا باضطراب الشخصية الحدية من عدمه، وإذا ثبت إصابته بالمرض من خلال الاستجابة لرسم الحوت الأزرق على يده، تتوالى الخطوات بطلب آخر، وهو أن يستيقظ في الرابعة فجرًا ليشاهد فيلم رعب، والتحليل العلمي لتلك الخطوة هو زيادة نسبة الكورتيزون في جسد الإنسان عند الاستيقاظ مباشرة وعلميًّا الكورتيزون يعزز الشعور بالاكتئاب بصورة أكبر، وهنا يكون الشخص فريسة للشعور بالاكتئاب وزيادة الإحباطات، خاصة مع مشاهدة أفلام الرعب, ثم يطلب منه الجلوس أو الوقوف على حافة مبنى عالٍ، وهو أمر مستحيل أن يقوم به شخص سوي، ومع كثرة ضغوط اللعبة على المريض يصل إلى مرحلة الانتحار؛ لذا يجب توعية الأهالي جيدًا بمتابعة وملاحظة الأمراض التي يعاني منها أبناؤهم، ولدينا وحدات بمستشفى العباسية للصحة النفسية مخصصة للأطفال والمراهقين، وبالفعل لدينا العديد من حالات المراهقين الذين يعانون اضطرابات الشخصية الحدية, كما أننا نقوم الآن بإنشاء مستشفى خاص بالأطفال والمراهقين بعيدًا عن العباسية.

ظهرت مؤخرًا أنواع غريبة من المخدرات تؤدي إلى العنف بطرق غريبة، فما أبرز هذه الأنواع ومدى خطورتها على المجتمع؟

هناك مخدر مشهور يسمى الفيل الأزرق (الفلاكا) ووظيفته أنه يقوم برفع مادة الدوبامين، وهي مادة موجودة تفرز بالمخ بمقدار معين ينشأ عنها الشعور بالسعادة، وزيادتها تؤدي إلى صورة شبيهة بالمرض العقلي، وتترجم إلى هلاوس، وتتبعها ضلالات. فعلى سبيل المثال شاب مدمن لذلك النوع من المخدر جاء ويحمل ملعقة، ويقر أنه سوف يخرج قلب والدته بالملعقة, وشاب آخر انتهج سلوكًا غريبًا، حيث قام بمحاولة حرق عمة كان يرتديها أحد الأشخاص دون أي أسباب. وهذا السلوك عدواني وغير مسئول، وهنا يخضع المريض إلى التشخيص المزدوج، أي العلاج من الإدمان والتأهيل النفسي أيضًا.

انتشرت مراكز العلاج النفسي وعلاج الإدمان بصورة كبيرة، فما دور الجهات الرقابية للحد من تلك المراكز؟

لدينا المركز الإقليمي التابع للمجلس القومي للصحة النفسية، يقوم بإجراء تفتيش باستمرار على تلك المراكز؛ لتقنين أوضاعها، وإذا ثبت تورط أطباء بها، يتم تحويلهم إلى النيابة الإدارية؛ لأن من يقومون بإنشاء تلك المراكز هم مجموعة من المدمنين المتعافين، ويستعينون في بعض الأحيان بأطباء، وحينما يثبت أن المركز غير مرخص يتم إغلاقه على الفور.

رغم انتشار مرض التوحد بين الأطفال، إلا أن الأهالي لا يزالون غير معنيين بالمرض, نريد روشته للأهالي لمعرفة أن طفلهم يعاني من التوحد؟

أبرز ما يميز مرض التوحد هو عدم انخراط الطفل واندماجه مع أقرانه من الأطفال، وهنا يجب أن يتوجه والداه إلى عيادات التوحد بأقصى سرعة, والتوحد لا يتم تشخيصه قبل وصول الطفل إلى 3 سنوات, ويجب أيضًا أن يلاحظ الأهل ما إذا كان طفلهم يقوم بتقليدهم أم لا، فالتقليد علامة صحية للطفل، ولكن إذا كان شاذًّا في أفعاله وغير قادر على الاندماج حتى مع الألعاب، فهذه أبرز علامات مرض التوحد، الذي يفضل تشخصيه مبكرًا؛ لمحاولة الهيمنة عليه والتعامل معه ومساعدة الطفل على الانخراط في المدرسة والمجتمع ككل، وعيادات الأطفال بمستشفى العباسية يطلق عليها اسم بيت الشمس أو واحة؛ حتى تكون بعيدة عن وصمة المرض النفسي الذي يخشى منه البعض.