قيمة الإحساس بالآخر

فى إحدى قصص حياته الرائعة، كان المهاتما غاندي يقوم برحلة فى الهند مستقلا القطار، وعندما كان ينتقل من عربة إلى أخرى بينما القطار يتحرك سريعا، اصطدم بأحد الأشخاص وسقطت إحدى فردتى حذائه بين القضبان، وبدلا من أن يغضب ويندب حظه، فعل شيئا أدهش رفاقه فى الرحلة، نزع فردة حذائه الأخرى بسرعة وألقى بها نحو تلك التى وقعت قبل ذلك، وعندما سُئل عن السبب وراء قيامه بذلك، ابتسم غاندى وأجاب قائلا: “الآن، الإنسان الفقير الذى سيعثر على الفردة الأولى سوف يجد الأخرى أيضا، وبذلك سيكون لديه زوج جديد من الأحذية”.

يا له من رجل رائع، ويا له من تصرف تلقائى نبيل. لو كنت أنا فى مكان غاندى، ربما كان الشعور بالتعاسة سينتابنى طوال الرحلة، بسبب فقدان الحذاء الجديد، وكنت سأتذمر من سوء الحظ، وألعن الشخص الذى تسبب فى الواقعة، وأظل أفكر كيف سأتصرف حين أصل إلى وجهتى. وكان هذا الأمر سيشغل بالى طوال الرحلة، ويزيد من تعاستى. للأسف، نحن نميل إلى التركيز على ما ليس لدينا، وينصب تركيزنا على ما فقدناه، فنحمل عبء تلك الخسارة على أكتافنا، وبالتالى نزيد من متاعبنا فى الحياة، فى حين أننا نستطيع ببساطة أن نركز على ما لدينا، ونرى ما إذا كان يمكن أن يفيد الآخرين.

حين سافرت الأم تريزا إلى أوسلو لاستلام جائزة نوبل فى السلام عام 1979، وكانت مأدبة التكريم والاستقبال دائما من أبرز فقرات الاحتفال بالفائزين بالجائزة، سألت الأم تريزا لجنة جائزة نوبل: “ما المبلغ الذى تنفقونه عادة على المأدبة؟”. وكانت الإجابة حوالى ستة آلاف من الدولارات. قالت الأم تريزا: “هذا يكفى لإطعام أربعمائة شخص من الفقراء لدينا (فى كالكتا بالهند) لسنة كاملة، هل من الممكن التفضل بإلغاء المأدبة، وإعطائى النقود؟”. وبعد جدال طويل، وافقت لجنة الجائزة على إلغاء المأدبة ومنحها المبلغ.

فى هذه الحياة، يجب جميعنا أن نشعر ببعضنا البعض، لأننا جميعا نحتاج أن نكون بجانب بعضنا البعض، حتى يمكننا التغلب على مصاعب الحياة، والعيش بسلام. والإحساس بالآخرين ومساعدتهم ليس بالضرورة أن يكون فى صورة أعمال كبيرة، فمجرد الابتسامة فى وجه الآخرين عمل إيجابى، خصوصا عندما نفعل ذلك مع الفئات المهمشة التى لا يلتفت إليها أحد أو حتى يشعر بوجودها. جميعنا لدينا القدرة على إسعاد الآخرين وبأمور بسيطة، مثل الابتسام أو التحدث معهم بلطف والاطمئنان عليهم من حين لآخر، وإذا أمكن مساعدتهم ماديا ولو بالقدر القليل.

وكل الأديان تحض وتشجع على ذلك. فى رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس كتب يقول: “فإن كان عضو واحد يتألم، فجميع الأعضاء تتألم معه. وإن كان عضو واحد يُكرم، فجميع الأعضاء تفرح معه”. وهناك الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى تحث على مساعدة الآخرين. يقول النبى: “مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.

والطبيب والفيلسوف الألمانى ألبرت شفايتزر، الحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 1952، يقول: “غاية الحياة الإنسانية خدمة الآخرين والتعاطف معهم والرغبة فى مساعدتهم”. والكثير من الحكم والأمثال الشعبية المتداولة بين الناس تدعو إلى الإحساس بالآخر، مثل: “الإحساس نعمة”، أو “اللى عنده دم أحسن من اللى عنده فلوس”، بمعنى أن الأفضل أن تشعر بمن حولك دون أن يطلبوا منك ذلك، فتتعامل معهم بإنسانية ورحمة وتشعر بآلامهم ومعاناتهم.

وتؤكد الدراسات الحديثة أن الإحساس بالآخرين ومساعدتهم تخفف من التوتر لدى الشخص الذى يقدم المساعدة فى المقام الأول، وتبعث على الشعور بالراحة النفسية والطاقة الإيجابية، بل وتحسن من فعالية نظام المناعة فى الجسم. ففردة الحذاء الثانية التى ألقاها غاندى لم تتسبب فى إسعاد إنسان هندى فقير فحسب (حيث كان الحذاء فى تلك الأيام يمثل رفاهية كبيرة عند معظم الهنود)، لكنها أيضا جعلت غاندى سعيدا. إذن فالإنسان الذى يساعد الآخرين فى الحقيقة هو يساعد نفسه أيضا.

عندما تجف داخل النفس الإنسانية عاطفة الإحساس بآلام الآخرين وحاجاتهم، وتنعدم من القلوب الرحمة، تحل القسوة بالقلوب فتصبح مثل الحجر الذى لا يمنح أى عطاء، أو أشد قسوة منه، لأن من الأحجار ما تتشقق قسوته الظاهرة، فيندفع العطاء من باطنه ماء عذبا نقيا، لكن بعض الذين قست قلوبهم يجف من داخلها كل أثر للفيض والعطاء. وترطيب القلوب القاسية يحتاج إلى فعل وليس مجرد قول، كتلمس احتياجات الفقير، والرفق باليتيم، وزيارة المريض، والتخفيف على المبتلى، ومشاركة الأم أو الأب المكلوم الدموع، والضحكة الصادرة من القلب فى الفرح، كل هذا من شأنه تليين قسوة القلوب، وإعادة بريق الإحساس بالآخرين والتواصل معهم.

ربما حان الوقت لكى نركز على ما لدينا، فبدلا من أن نتنافس لنحقق المزيد، وننتظر المزيد والمزيد، وبدلا من أن نقضى حياتنا مشغولين بشأن الأشياء التى نفتقدها أو فقدناها، علينا أن نشكر اللـه على الأشياء الأخرى التى نمتلكها أو لا تزال لدينا، ونفكر كيف أن التنازل عن بعضها يمكن أن يجعلنا، ويجعل أشخاص آخرين، سعداء أكثر. إن الإحساس بالآخر والعطاء والمشاركة، بدلا من الطمع والجشع والنهم للمزيد، يمكن أن يجعلنا جميعا أكثر سعادة، ويجعل العالم مكانا أفضل.