في جمعة الكوتشوك.. المقاومة تؤرق الاحتلال

 

اشتعلت الأراضي الفلسطينية مجددًا أمس الجمعة في فاعليات “جمعة الكوتشوك”، فمن خلال وسائل بسيطة استخدمها الشعب الفلسطيني المقاوم تمكن من إيصال رسالته إلى الاحتلال الصهيوني، حيث خيمت غمامة سوداء على مستوطنات الاحتلال، شبيهه بتلك الغمامة التي خيمت على الأراضي الفلسطينية منذ أن وطأت أقدام الاحتلال الصهيوني هناك.

صرخة جديدة للمقاومة

سقوط 18 شهيدا وآلاف الجرحى وعشرات المعتقلين الجمعة الماضية، لم يمنع الفلسطينيين من الزحف مجددًا باتجاه المناطق الحدودية على مقربة من السياج الفاصل، أمس الجمعة، ليجددون العهد مع القضية الفلسطينية ويظهرون المزيد من الصمود والإصرار للكيان المحتل، حيث زحف الآلاف من المواطنين منذ ساعات الصباح أمس الجمعة، للمشاركة في مسيرات شعبية سلمية تحت شعار “جمعة الكوتشوك”، في إطار إحياء ذكرى يوم الأرض والعودة إلى الديار، وتوافد آلاف الفلسطينيين إلى خيام مسيرة العودة المقامة شرق قطاع غزة قرب السياج الفاصل، فيما قام شبّان بإحراق الإطارات قرب السياج الفاصل تزامنًا مع تحليق طائرات استطلاع إسرائيلية على علو منخفض فوق السياج، وفي الضفة الغربية خرجت مسيرات شعبية وأشعل متظاهرون النيران بالإطارات في الخليل والبيرة ورام الله.

في المقابل، كان الاحتلال لا يزال متأهبًا ومستنفرًا على الحدود استباقًا للمسيرات التي تثير قلق ورعب الاحتلال، حيث دفع الجيش الإسرائيلي بتعزيزات كبيرة من الدبابات والمدرعات وجنود القناصة، واستخدم الاحتلال الرصاص الحي وخراطيم المياه والقنابل المسيلة الدموع لتفريق المتظاهرين، كما استخدمت القوات الإسرائيلية أيضًا الطائرات لرمي المتظاهرين بقنابل الغاز، فيما استخدم الاحتلال وسيلة جديدة محرمة دوليًا لقمع المتظاهرين السلميين، حيث أكدت مصادر طبية في مستشفيات قطاع غزة من خلال تعاملهم مع المصابين، أن العديد من المصابين بالرصاص الحي كان لديهم تمزقات كبيرة في الأنسجة، وفتحات كبيرة مكان الإصابة، مما يدلل على أن الاحتلال استخدم الرصاص الحي المتفجر، وهو نوع من الرصاص الذي يترك أثرًا هائلًا في منطقة الدخول والخروج لدى المصابين به، الأمر الذي جعل الاتفاقيات الدولية تحظره دوليًا، لكن الاحتلال كعادته يضرب بكافة الاتفاقيات الدولية عرض الحائط ويستخدمه لقمع الفلسطينيين.

وأكدت وزارة الصحة الفلسطينية، اليوم السبت، أن إجمالي عدد الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا برصاص الجيش الإسرائيلي بلغ 10 شهداء بينهم صحفي، و1354 إصابة، بينهم 48 طفلا و12 امرأة، منها 491 بالرصاص الحي والمتفجر، ولا يزال 33 جريحًا بحالة خطيرة.

“الكوتشوك” وسيلة مقاومة

في مواجهة المدافع والرشاشات والغازات السامة والرصاص الحي والمتفجر، لا يزال الذهن الفلسطيني المقاوم يذهل العالم بابتكار أبسط الوسائل للدفاع عن قضيته وحقوقه في أرضه ضد الاحتلال الغاشم، فبعد أن استخدم هذا الشعب الصامد الحجارة والسكاكين وكمامات الثوم والبصل دفاعًا عن أرضه وعرضه، ابتكر أمس الجمعة وظيفة جديدة لإطارات السيارات، من خلال إشعال الآلاف منها على حدود السياج الفاصل لإعاقة آلة القتل الإسرائيلية ومنع الجنود الصهاينة من الرؤية لقنص المتظاهرين، ليتحرك المقاومون بحركة أكبر من خلف الإطارات المشتعلة، حيث ارتفعت سحب الدخان الأسود في سماء المنطقة، وساعدت الرياح الغربية الشرقية على اندفاع الدخان الأسود المتصاعد للمستوطنات المحاذية للقطاع، حيث اختار الفلسطينيين توقيت إشعال الإطارات بعد الظهيرة بعد متابعة حركة اتجاه الرياح التي ستكون شرقية ما يدفع الدخان نحو المستوطنات.

ضاق الاحتلال ذرعًا بالصمود الفلسطيني، فلم يعد أمام الاحتلال سوى منع المقاومة من الوصول إلى وسائل مقاومتها البسيطة، حيث قررت السلطات الإسرائيلية، مساء أمس الجمعة، منع إدخال إطارات السيارات إلى قطاع غزة حتى إشعار آخر، وأفاد رئيس اللجنة الرئاسية لتنسيق دخول البضائع إلى القطاع، رائد فتوح، بأن سلطات الاحتلال أبلغت اللجنة مساء الجمعة، بمنع إدخال الإطارات إلى القطاع دون ذكر الأسباب، وأوضح أن السلطات الإسرائيلية ألغت دخول أربع شاحنات محملة بالإطارات كان من المقرر دخولها إلى القطاع يوم الأحد المقبل، عبر معبر كرم أبو سالم جنوبي شرق القطاع.

تحركات دولية “غير مجدية”

حاولت الكويت مجددًا انتزاع قرار من مجلس الأمن الدولي يدعو لوقف استهداف إسرائيل للمتظاهرين الفلسطينيين بالقرب من الشريط الحدودي لقطاع غزة، ويطالب بإجراء تحقيق أممي مستقل في الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على الفلسطينيين، لكن سيناريو الجمعة الماضية تكرر في مجلس الأمن، حيث تدخلت الحليفة الأقرب للاحتلال، الولايات المتحدة الأمريكية، لتمنع المجلس من اتخاذ أي قرار من شأنه الإضرار بمصالح الاحتلال الصهيوني، فبعد أن وزعت الكويت مشروع القرار على أعضاء مجلس الأمن الدولي، وقال سفير الكويت لدى الأمم المتحدة، منصور العتيبي، إن “هذا موضوع يجب أن يهتم به مجلس الأمن”، وأوضح أنه طلب من المجلس أن يتبنى بيانًا على غرار بيان آخر قدمته الكويت قبل أسبوع ولاقى وقتذاك اعتراضًا من الولايات المتحدة، تدخلت الأخيرة مجددًا وأبدت اعتراضها على دعوة مجلس الأمن إلى تبني نص البيان.

علق مندوب الكويت الدائم لدى الأمم المتحدة، منصور العتيبي، في مؤتمر صحفي مشترك مع مراقب فلسطين الأممي، رياض منصور، ومندوب الجامعة العربية بالمنظمة الدولية، ماجد عبد العزيز، في مقر المنظمة بنيويورك: وزعنا مشروع بيان جديد على أعضاء مجلس الأمن بشأن ما يجري للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وهو مشابه تمامًا لمشروع البيان الذي قمنا بتوزيعه الجمعة الماضي، الذي حظي بموافقة 14 دولة عضو في مجلس الأمن إلا أن دولة واحدة وهي الولايات المتحدة رفضت حتى مجرد الانخراط ومناقشة محتوى البيان، ما أدى لتعطيل صدوره.

من جانبه، طالب مراقب فلسطين لدى الأمم المتحدة، رياض منصور، خلال المؤتمر، بتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، وقال منصور: “لقد حاولنا الأسبوع الماضي، أن يقوم مجلس الأمن بدوره، ويوقف المذبحة التي ترتكبها القوات الإسرائيلية ولكن لسوء الحظ رفضت إسرائيل الاستماع للمجتمع الدولي”، وأشار إلى أن فلسطين أرسلت خطابًا إلى مجلس الأمن لتوثيق أرقام القتلى والمصابين الفلسطينيين، واعتبر استمرار مجلس الأمن في إهمال مسؤولياته، بمثابة تشجيع لإسرائيل على المضي قدمًا في مذبحتها.

من جانبها كررت الأمم المتحدة دعوتها للاحتلال الصهيوني إلى عدم الإفراط في استخدام القوة ضد المتظاهرين المشاركين في مسيرات العودة بغزة، وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أمس الجمعة، إن المنظمة الدولية تتابع بقلق الأحداث في قطاع غزة، وأضاف، أن المنسق الأممي الخاص لعملية السلام بالشرق الأوسط، نيكولاي ميلادينوف، وفريقه، متواجدون على الأرض، ويجرون اتصالات مع كافة الأطراف المعنية لاحتواء الموقف، وشدد المتحدث الأممي على ضرورة ضمان عدم تعريض القوات الإسرائيلية حياة المدنيين للخطر، وخاصة الأطفال.

في ذات الإطار، وصف السفير الفلسطيني لدى الولايات المتحدة، حسام زملط، الوضع في قطاع غزة بالمتفجر، متهمًا الإدارة الأمريكية بعدم التوقف عن إرسال “إشارات سلبية”، وقال “زملط”: إن تصرفات إسرائيل أثناء الاحتجاجات على الحدود مع قطاع غزة، تستحق أشد إدانة من قبل الحكومة الأمريكية، وكذلك خطوات عملية من طرفها لإرغام إسرائيل على احترام القانون الدولي، لكننا لم نر أي إدانة، وتابع أن كل ما يراه الجانب الفلسطيني هو تمسك واشنطن بإحباط كل محاولاته في مجلس الأمن الدولي لتشكيل لجنة تحقيق دولية، مضيفًا أنها ليست إشارات جيدة تنبئ بتغيير موقف واشنطن.