ذكريات فلسطينية خالدة في شعبان

يعتبر شهر شعبان الذي أهل علينا، أمس الثلاثاء، أحد الشهور العربية التي حدثت فيها أحداث عدة مرتبطة بأرض فلسطين المحتلة، أثرت في مجرى التاريخ وغيرت خريطة العالم حتى اليوم، ويرصد التقرير 4 حوادث منها مرتبطة بمدينة القدس.

تحويل القبلة

في منتصف شهر شعبان في العام الثاني بعد الهجرة النبوية إلى المدينة، تم تحويل قبلة الصلاة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، وهو حدث مرتبط بأرض فلسطين، فقد ظل المسلمون يتوجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، ولكن قلب الحبيب محمد، صلى الله عليه وسلم، كان متعلقًا بالبيت الحرام، فقال يومًا لأمين الوحي جبريل عليه السلام: “وددت أن يصرف الله وجهى عن قبلة اليهود”، فقال جبريل: إنما أنا عبد فادع ربك واسأله.

فظل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقلب وجهه الشريف في السماء داعيًا الله سبحانه وتعالى أن يجعل قبلة المسلمين هي الكعبة المشرفة، أول بيت وضع للناس، حتى أنزل الله سبحانه وتعالى عليه قوله: “قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام”.

فكان تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة اختبارا وتمحيصا للمسلمين والمؤمنين لتصفية صفوف المسلمين من المنافقين وضعيفي الإيمان، فالصادقون قالوا سمعنا وأطعنا والمنافقون أصابهم الشك والحيرة، وهنا قال اليهود للنبي: “يا محمد، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها، وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك، فنزل قول الله تعالى: “سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم”.

القدس في أيدي الصليبيين

في 21 شعبان 489هـ، 15 أغسطس 1096م، بدأت الجيوش الصليبية في التجمع بالقسطنطينية لإطلاق الحملة الصليبية الأولى من 4 جماعات، وظلت الحملة في طريقها تستولي على مدن وقرى إسلامية، حتى قام افتخار الدولة، حاكم بيت المقدس، بتسميم آبار المياه وقطع موارد المياه، وطرد جميع من بالمدينة من المسيحيين لشعوره بخطورة وجودهم أثناء الهجوم الصليبي، وتعاطفهم معهم، وقوى استحكامات المدينة استعدادا لمواجهتهم.

وفي يوم الجمعة 23 شعبان 492هـ، 15 يوليو 1099م، شن الصليبيون هجومًا ضاريًا، ونجح عدد كبير منهم في الاندفاع إلى المدينة، وولت الحامية الفاطمية الأدبار نحو الحرم الشريف حيث توجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى، واحتموا بهما، حتى سقطت المدينة في أيدي الصليبيين بعد حصار دام أكثر من 40 يوما.

وبعد أن دخل الصليبيون المدينة المقدسة انطلقوا في شوارعها يذبحون كل من يقابلهم من رجال ونساء وأطفال، ولم تسلم المنازل الآمنة من اعتداءاتهم الوحشية، واستمر ذلك طيلة اليوم الذي دخلوا فيه المدينة، وفي صباح اليوم التالي استكمل الصليبيون الهمج مذابحهم فقتلوا المسلمين الذين احتموا بحرم المسجد الأقصى، ويعترف مؤرخو الحملات الصليبية ببشاعة السلوك البربري الذي أقدم عليه الصليبيون، وذكر المؤرخ ريموند أوف أجيل، الذي شهد المذابح أنه عندما توجه لزيارة ساحة المعبد غداة تلك المذبحة لم يستطع أن يشق طريقه وسط أشلاء القتلى إلا بصعوبة بالغة، وأن دماء القتلى بلغت ركبتيه.

رفض بيع فلسطين

في شهر شعبان، وبحسب وثائق تاريخية، رفض السلطان عبد الحميد الثاني، بيع فلسطين، لرئيس الوكالة اليهودية ثيودور هرتزل، الأب الروحي والمؤسس الأول للصهيونية العالمية، كحركة سياسية استعمارية أسبغت على اليهود صفة القومية والانتماء العرقي، والذي قدم إلى إسطنبول في يونيو 1896 وحاول لقاء عبد الحميد لإقناعه بالسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين مقابل سداد ديون الدولة العثمانية بالكامل، فرد عبد الحميد قائلا: “لا أستطيع بيع شبر واحد من هذه الأرض، لأنها ليست ملكا شخصيا لي بل هي ملكٌ للدولة العثمانية، ولن نسلمها لأحد إلا بسكب الدماء والقوة، والله لإن قطعتم جسدي قطعة قطعة لن أتخلى عن شبرٍ واحد من فلسطين”.

هدنة فلسطين الأولى

في 4 شعبان 1367هـ، 11 يونيو 1948م، بدأت الهدنة الأولى في فلسطين بين الجيوش العربية والعصابات اليهودية، وكان الوسيط الدولي في هذه الهدنة الكونت فولك برنادوت، الذي اغتاله اليهود بسبب اقتراحه وضْع حد للهجرة اليهودية في فلسطين، ووضْع القدس كلها تحت السيادة الفلسطينية.

استغل اليهود الهدنة في إعادة تنظيم صفوفهم، وتدفق عليهم المقاتلون الذين سبق لهم الخدمة في الجيوش الأمريكية والبريطانية وغيرها بأعداد كبيرة، وتدفقت عليهم الأسلحة من مختلف أنحاء أوروبا بكميات هائلة، واستغل اليهود احترام القوات المصرية لتعليمات الهدنة، وهاجموا بلدة بئر عسلوج، ولم يكن فيها قوات تذكر للدفاع عنها، فاحتلوا بعض المواقع والقرى منها جسير وجوليس وأخذوا يقوون دفاعاتهم بعمل الدشم والخنادق وتوفير وسائل الاتصال.

في المقابل لم تستغل الحكومات العربية فترة الهدنة، فلم تكن إدرادتها حرة، وكانت الدول الكبرى الاستعمارية تضغط على القادة العرب لعدم الاستمرار في حرب ضد الصهاينة، حرصا على تمكين الإسرائيليين من إحراز تفوق عسكري ليتمكنوا من إلحاق الهزيمة بالجيش المصري بشكل خاص ليسهل بعدئذ إسكات صوت المطالبين بالجلاء.