ثلاثة عقود على اغتيال أبو جهاد «خليل الوزير»

في مثل هذا اليوم من عام1988، أقدمت عناصر تابعة للجيش الصهيوني على اغتيال القائد والمناضل الصلب السيد خليل الوزير الملقب بأبي جهاد في تونس، وكان الشهيد أحد أهم مهندسي الانتفاضة الفلسطينية الكبرى التي اجتاحت الأرض المحتلة عام1987.. تتزامن تلك الذكرى مع استمرار فعاليات مسيرات العودة التي يؤكد الشعب الفلسطيني من خلالها تمسكه بكامل حقوقه، رغم إجرام آلة البطش الصهيونية الذي لا يتوقف.

تروي السيدة أم جهاد وقائع تلك الليلة الدامية، فتقول أن عدد المهاجمين قد جاوز العشرين، وأنهم تركوا في جسد الشهيد نحو سبعين رصاصة تعبر عن خستهم التي لا نظير لها، وكانت أنباء قد تواترت بعد ذلك أن نائب رئيس الأركان الصهيوني آنذاك المدعو “إيهود باراك” هو من تولي التخطيط وقيادة العملية ومتابعتها من أحد الزوارق قبالة الشاطئ التونسي، كما شارك في التخطيط “أمنون شاحاك” رئيس الاستخبارات.

لم يعترف الكيان الصهيوني بتلك الجريمة النكراء التي أدينت من جميع الأطراف حتى الولايات المتحدة، كما وافق مجلس الأمن على القرار 611 الذي يشجب “العدوان الذي ارتكب ضد السيادة وسلامة الأراضي التونسية” دون أي إشارة لدويلة الكيان.. لكن صحيفة “معاريف” كشفت تفاصيل العملية في عددها الصادر في الرابع من يوليو1997، ولم تكذب أي جهة رسمية صهيونية ما نشرته الصحيفة التي ذكرت “أن من نفّذ العملية وحدات كوماندوز خاصة تابعة لهيئة الأركان، وهي الأقوى في جيش الدفاع، وتم تنظيم العملية كعملية عسكرية واسعة النطاق، وتم نقل المشاركين في الاغتيال على متن أربع سفن، من بينها اثنتان نقلت عليهما مروحيتان، لاستخدامهما في حالة الاضطرار لعملية إخلاء طارئة إذا حدث أي خلل أو طارئ غير متوقع.

تذكر الصحيفة العبرية أن دور السيد خليل الوزير الرئيس والحيوي في الانتفاضة الكبرى كان أحد أهم أسباب التخطيط لاغتياله؛ إلا أنه ليس السبب الوحيد، فقد ذكرت التقارير أن أبا جهاد كان خلف العديد من العمليات المسلحة التي نُفّذت ضد الصهاينة على مدى سنوات طويلة.. وقد أورد الصحافي الإيرلندي “جوردون توماس” في كتابه “انحطاط الموساد” أن عدة طائرات من طراز بوينج 707 قد شاركت في عملية الاغتيال بعد إقلاعها من إحدى القواعد العسكرية جنوبي “تل أبيب” وكان على متن إحداها “إسحق رابين” وزير الدفاع آنذاك وبصحبته عدد من كبار الضباط، وأن المذكور هو الذي أصدر الأمر بالتنفيذ في تمام الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة، قد أعلن العام الماضي ” موشيه يعالون” وزير الأمن الصهيوني الأسبق أنه كان أحد منفذي العملية، وأنه أجهز على أبي جهاد برصاصة استقرت في رأسه.

 

وفي الأول من نوفمبر 2012، نشرت “يديعوت أحرونوت” تحقيقا صحفيا يؤكد أن جيش الدفاع كان وراء اغتيال أبي جهاد في عام 1987، رغم الإنكار الرسمي الذي استمر لنحو ربع قرن.. ويعد هذا الإقرار بتلك الجريمة النكراء مبررا قانونيا لبدء إجراءات الملاحقة لكل المشاركين في عملية الاغتيال، وعلى رأسهم “إيهود باراك” الذي ظهر مؤخرا بصحبة الدكتور البرادعي كأحد دعاة إقرار عملية السلام في الشرق الأوسط.

وقد نشرت الصحيفة مقابلة مع “ناحوم ليڤ” الضابط المتقاعد نائب قائد وحدة النخبة العسكرية «سييرت متكال» التي نفذت الاغتيال، قبل أن يقضي في حادث طرق العام 2000. ونقلت الصحيفة عن ليڤ اعترافه بأنه كان الجندي الثاني الذي أطلق النار على «أبو جهاد» قبل أن ينضم الجنود الآخرون إلى إطلاق النار للتأكد من أنه لم يعد على قيد الحياة.

كان الهدف الرئيس من اغتيال أبي جهاد هو أن تخمد نار الانتفاضة لكن ما حدث كان على العكس من ذلك تماما إذ زادت حدة المواجهات بين الثوار وجنود الاحتلال، وقدم الشعب الفلسطيني فور إعلان نبأ الاغتيال، أربعة وعشرين شهيدا، كما امتدت الانتفاضة لتشمل كامل التراب الفلسطيني.

كان خليل الوزير المولود في مدينة الرملة بفلسطين في 10 أكتوبر من العام 1935، قد غادر مع أسرته إلى غزة عام 1948، إثر حدوث النكبة.. ودرس بمصر وتخرج في جامعة الإسكندرية، وعمل لبعض الوقت بالمملكة العربية.. لكنه انتقل منها إلى الكويت قبل انقضاء عام إقامته الأول، وقد ظل أبو جهاد بالكويت حتى العام1963، وكان أحد المؤسسين لحركة فتح في هذا العام مع السيد ياسر عرفات.

وقد غادر السيد خليل الكويت في نفس العام مرتحلا إلى الجزائر ليفتتح أول مكتب لحركة فتح، وليتولى من خلال هذا المكتب الإشراف على تدريب كوادر الحركة، وإعداد معسكرات للتدريب للشباب الفلسطيني المتواجد بالجزائر.

 

بقى أبو جهاد بالجزائر قرابة العامين؛ ثم غادرها إلى دمشق ليتولى مسئولية الاتصال والتنسيق مع العناصر الفدائية بالداخل الفلسطيني، وكان من ثمار عمله تلك الضربات الموجعة التي وجهت للجيش لقوات الاحتلال في منطقة الجليل الأعلى أثناء حرب حزيران1967، بعد ذلك أصبح الوزير مسئولا عن القطاع الغربي في الحركة.

في عام 1982، وأثناء الاجتياح الصهيوني للبنان شارك أبو جهاد بدور بارز في معركة الصمود التي استمرت نحو ثلاثة أشهر.. ثم تولى الشهيد عددا من المناصب منها عضوية المجلس الوطني الفلسطيني، وعضوية المجلس العسكري الأعلى للثورة، وعضوية المجلس المركزي لمنظمة التحرير.. ثن نائب القائد العام لقوات الثورة.

لم تزد تلك العمليات الإجرامية شعبنا العربي الفلسطيني في الأرض المحتلة إلا إصرارا على المضي قدما في طريق النضال حتى تحرير كامل الأرض العربية؛ ليسقط الشعب الفلسطيني عبر تاريخ نضاله الطويل وكفاحه الأبي- كل دعاوى الاستسلام التي لم تصمد أمام الاعتداءات الصهيونية على الأرض العربية ليس في فلسطين وحدها بل كل دول الطوق، وبالتأكيد فإن تواصل قوافل الشهداء يؤكد أن القضية لن تموت حتى في ظل التخاذل بل التواطؤ العربي، والتآمر الدولي.. ليبقى شعب الجبارين في طريق الصمود سائرا ثائرا حتى يتحقق الوعد.. وما هو على الله ببعيد.