بعد أن صمتت الـ “دي جيهات”

من بين كل ما قيل عن الانتخابات الرئاسية في الداخل والخارج، وما حدث فيها وما قيل عن المشاركة ونسبتها وطبيعتها وغياب التنافس أو قل انعدام التكافؤ بين المرشح الرئيس عبد الفتاح السيسي ومنافسه الذي دخل السباق في اللحظة الأخيرة موسى مصطفى موسى، كانت ظاهرة انتشار أجهزة تشغيل الأغاني الـ “دي جيه” وما صاحبها من أجواء احتفالية اختلف حولها المتابعون أبزر ملامح الانتخابات الأخيرة.

على أية حال، انتهت “غزوة الـ دي جيهات” بالنتيجة التي لم يشك فيها أحد قبل انطلاقها حيث أظهرت المؤشرات غير الرسمية اكتساح الرئيس السيسي لأصوات الناخبين بنسبة لا تقل عن 91% وجاء خلفه في المركز الثاني “الأصوات الباطلة”، ثم جاء المرشح الثاني في المركز الثالث وهي ظاهرة تنفرد بها مصر منذ ثورة 30 يونيو حيث يحتل المرشح الآخر المركز الثالث في انتخابات لا يخوضها سوى مرشحان اثنان فقط، وهو ما حدث في انتخابات 2014 عندما جاء الرئيس السيسي في المركز الأول وحصل على 24 مليون و780 ألف صوت تقريبا وجاء منافسه حمدين صباحي في المركز الثالث بعدد أصوات 757 ألف صوت تقريبا في حين جاء “الباطل” في المركز الثاني بعدد أصوات بلغ مليون و40 ألف صوت تقريبا.

ومع النهاية المتوقعة يصبح السؤال الذي جعلته صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأمريكية عنوانا لتقريرها عن الانتخابات المصرية وهو “In Egypt’s election, the president’s victory is assured. The question is what happens next?” ومعناه “في انتخابات مصر: فوز الرئيس مؤكد. لكن السؤال ماذا بعد؟” هو السؤال الأكثر أهمية وإلحاحا، ربما حتى قبل إجراء الانتخابات نفسها.

فالانتخابات التي يخوضها مرشحان اثنان، ليفوز أحدهما ويأتي الآخر في المركز الثالث بعد الأصوات البطالة تعني أن المشهد السياسي الراهن في البلاد لا يمكن أن يستمر حتى نهاية الولاية الثانية والأخيرة للرئيس عبد الفتاح السيسي وفقا للمادة 140 من الدستور التي تقول “يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات ميلادية، تبدأ من اليوم التالى لانتهاء مدة سلفه، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة” والمادة 226 التي تقول “وفى جميع الأحوال، لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة إنتخاب رئيس الجمهورية”.

أمام هذه الحقيقة الدستورية القائمة حتى الآن، وأمام حقيقة أن الرئيس والنواب وكبار المسئولين في الدولة أقسموا على حماية الدستور بما في ذلك المادة 226 التي تحظر تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب الرئيس، فإنه من الواجب على الدولة فتح المجال العام أمام الأحزاب والقوى السياسية، بل وأيضا في الدولة العميقة من أجل تقديم مرشحين محتملين لانتخابات الرئاسة المقبلة التي تحتاج إلى مرشحين اثنين على الأقل لن يكون من بينهما الرئيس الذي أكمل فترته الثانية.

وإذا كان هو الحال بالنسبة للملف السياسي فإن الملف الاقتصادي لا يقل أهمية خاصة وأن السنوات الأربع الأولى شهدت إجراءات اقتصادية شديدة القسوة تحملها الشعب المصري طوعا أو كرها، واعترف بذلك الرئيس السيسي شخصيا الذي وجه الشكر للشعب مرات ومرات على تحمله للمعاناة الاقتصادية طوال السنوات الماضية، وبالتالي فالمطلوب التفكير في سياسات اقتصادية تخفف الأعباء بشكل حقيقي عن الناس وتضمن لهم الحصول على جزء من ثمار نجاح الإصلاح الاقتصادي إن كان قد نجح أو كانت له ثمار كما يردد المسؤولون، أما الحديث السمج عن ضرورة تحمل الشعب، وتضحيته من أجل مستقبل الأجيال المقبلة، واستمرار الاعتماد على جيب المواطن الفارغ لتمويل خيارات الحكومة السياسية والاقتصادية، ومشروعاتها الغير مجدية، فيجب أن يتوقف حتى لا تدخل البلاد في نفق مظلم لا يريده لها أي وطني مخلص.

ولما كانت الانتخابات الأخيرة قد جرت بدون برنامج انتخابي للمرشح الفائز الرئيس عبد الفتاح السيسي، ولما كانت الانتخابات قد جرت بدون شعارات سياسية ولا أفكار اقتصادية محددة، ولا مواقف معلنة من جانب المرشحين، فليس أمامنا سوى الانتظار لنرى ما ستحمله السنوات الأربع المقبلة لنا جميعا شعبا وحكومة.