الإخوان وآل سعود: تاريخ يحكمه النفعية

تبدو العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين ومؤسسها حسن البنا، وما بين الدولة السعودية قديمة نسبيا مقارنة بنظائرها من العلاقات التي ربطت بين الجماعة وبعض الأنظمة السياسية العربية، ويعود اللقاء الأول بين مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ومؤسس الدولة السعودية الثالثة الملك عبدالعزيز آل سعود إلى عام 1936 حين ذهب وفد من الجماعة لأداء فريضة الحج وليعلن عن نفسه في المؤتمر الذي كان يعقد على مدار السنوات السابقة لبعض قيادات وأئمة العالم الإسلامي، والذين كان يتم إعدادهم في الغالب للدفاع عن شرعية حكم الملك عبدالعزيز آل سعود من ناحية، والتعرف على الأيديولوجية الدينية الجديدة (الوهابية) من ناحية أخرى.

وفي هذه السنة 1936 كان اللقاء الشهير بين حسن البنا والملك عبد العزيز، الذي طلب فيه البنا إنشاء فرع لجماعة الإخوان المسلمين في السعودية، فكان جواب الملك عبد العزيز الدبلوماسي الشهير في رفضه قائلا للبنا: «كلنا إخوان مسلمون»، غير أن هذا الرفض لم يكن يعني على الإطلاق إمكانية قيام لونا من التحالف السياسي الديني الذي ستحكمه البرجماتية في كل مراحله.

كان الأمير عبد العزيز بن سعود مؤسس الدولة السعودية الثالثة استطاع منذ مطلع القرن العشرين أن يصنع له في مصر بعض المناصرين داخل الأزهر الشريف وبين أوساط المتدينيين من خلال رشيد رضا ومجلته المنار، الشيخ الشامي الأصل الذي قدم إلى مصر متبرأ من تربيته الصوفية التي ادعى تحصيلها على يد الشيخ حسين الجسر مبشرا بالسلفية، وباسطا رداءها على تراث الشيخ محمد عبده من خلال كتابه تاريخ الأستاذ الإمام الذي أخفى منه وزاد عليه..

كانت سنوات المنار واسعة التأثير لملابساتها المختلفة، الحرب العالمية الأولى، والصدام بين العرب والأتراك، والذي تبعه سقوط الخلافة العثمانية، وتفكك العالم الإسلامي، أول ما كان تأثيرها كان في عبد العزيز جاويش، ومحب الدين الخطيب وتلميذهما حسن البنا الذي عمل محررا بمجلة المنار، كل هذا ضمن علاقة طيبة ربطت ما بين الجماعة الناشئة في مصر (الإخوان المسلمين)، والدولة الناشئة في الجزيرة العربية دولة (مملكة آل سعود)، وقد لعبت الجماعة في ذلك الحين دور إقليمي هام في الاعتراف بنظام آل سعود..

ثم جاءت الحقبة الناصرية حقبة الصدام الناصري مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والصدام الناصري مع النظام السعودي في المملكة ليؤكد الارتباط ووحدة الهدف والمسعى، ويعقد تحالف طويل الأمد بين الجماعة وآل سعود، تحولت المملكة بموجبه إلى حاضنة لجماعة الإخوان الفارة من معتقلات جمال عبد الناصر، تقضي الجماعة نحو عقد من الزمان في أحضان المملكة يزيد لبعض أفرادها قليلا أو ينقص قليلا – لتعود أكثر تسلفا، لكن دون إحداث أثر في خريطة الإسلام السياسي داخل المملكة، خضعت العلاقة للتوافقات بما ينفذ مصالح الدولة السعودية، بينما لم تحظ الجماعة بأكثر من الوطن البديل والدعم المادي، فقد كان ثمة اتفاق غير معلن جعل من داخل المملكة منطقة محظورة على تمدد الجماعة، فالمملكة ليست بأي حال من الأحول مجالا لدعوة حسن البنا وأتباعه، هذا الاتفاق هو ما يحلو للكثيرين الإشارة إليه في جواب الملك عبدالعزيز بن سعود على طلب حسن البنا.

صحيح أن الجماعة حاولت خرق ذلك الاتفاق من خلال جهود بعض الشخصيات الإخوانية لإيجاد ظهير للجماعة داخل المملكة، كالشيخ مناع القطان، والإخواني السوري محمد سرور الذي ينسب إليه التيار السروري، وعبدالله عزام الأستاذ المباشر لأسامة بن لادن إلا أنها ظلت حتى أواخر عقد الثمانينات ذات أثر محدود فلم تخلف ذراع قوي للجماعة داخل المملكة، ولم تشب عن طوق الدولة السعودية، غير أن هذا لم يكن السبب الحقيقي وراء وصول العلاقات بين الجماعة وحليفتها القديمة إلى مرحلة الأفق المسدود.

تمثلت لحظة التربص والريبة من قبل المملكة إزاء نفعية الجماعة إبتداء من حفاوة الجماعة بالثورة الإيرانية التي رأت فيها تجسيدا لرؤية مٌنظرها حسن البنا في إنشاء “الدولة الإسلامية” حتى ولو كانت ذات مرجعية شيعية، باعتبارها نواة لوحدة تجمع العالم الإسلامي، يقول أحمد يوسف في كتابه (الإخوان المسلمون والثورة الإسلامية في إيران)، وهو أحد منظري الحركة الإسلامية “من خلال الإيجاز السابق لأفكار الإمامين البنا والخميني، والتجسيد الواقعي الحي لفكر الإمام الخميني في جمهورية إيران الإسلامية، يبدو أن ثمة مساحة واسعة مشتركة بين الرؤيتين تصلح لكي تشكل أرضية واسعة لاعتبار إيران .الدولة، نقطة إنطلاق نحو الدولة الإسلامية العالمية، التي تنتظم في إطارها جمع الأمة الإسلامية (دولة الأمة) والتي طالما حلم بها الإمام حسن البنا (رحمه الله) وكل من تولوا قيادة حركة الإخوان المسلمين من بعده”.

ثم توالت المواقف التي تستقل فيها الجماعة بقرارها عن صاحب المأوى والداعم المادي كموقف الجماعة المؤيد للغزو العراقي للكويت ليستكمل طريق القطيعة بين الطرفين، ورفضهم القاطع للحرب التي شنها النظام السعودي على جماعة الحوثيين في اليمن عام 2009.