الأزمة السورية.. ثبات المحور الروسي وارتعاش الموقف الأمريكي

خرجت القمة الثلاثية الثانية، الخاصة بالأزمة السورية، والتي اختتمت أعمالها في أنقرة أمس بمشاركة رؤساء تركيا وإيران وروسيا، باستمرار التعاون والتنسيق التام معًا؛ لتسهيل تطبيق مقررات مباحثات أستانة وجنيف السياسية منها والميدانية كمسيرتين مكملتين لبعضهما، والحديث هنا عن تسوية سياسية وإعداد دستور وحل مشكلة اللاجئين ومكافحة الإرهاب بكل أشكاله باعتباره أهم أسباب الأزمة السورية، ووقف إطلاق النار وإعادة الإعمار بسوريا.

واتفق الزعماء الثلاثة على أن تعقد القمة الثالثة في العاصمة الإيرانية طهران، وإلى جانب القواسم المشتركة، أكد كل طرف على ما يخصه من الأزمة السورية؛ فالجانب التركي، أعلن نيته الاستمرار في محاربة ما سماها التنظيمات الإرهابية الكردية في جميع شمال سوريا، وتجنب الزعماء في القمة نقاط الخلاف الرئيسية حول بقاء الرئيس السوري، بشار الأسد، على رأس الهرم السياسي في سوريا الذي ترفضه أنقرة، واستمرار المعارضة بشكلها المضطرب والمسلح التي ترفضها روسيا وإيران، وحافظ كل منهم على تحفظاته على النقاط الخلافية.

واقترح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إقامة تجمعات إسكانية في المناطق الأمانة من سوريا بجهود الدول الثلاث، إسهامًا في تسوية أزمة اللاجئين، لكن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أراد ذلك بمشاركة واستثمارات دولية واسعة لإعادة الإعمار، وحذر من تحويل الصراع إلى طائفي وعرقي في سوريا، ولمساعدة السوريين على إعداد دستورهم وإقامة دولتهم بالشكل الذي يناسبهم.

من جهته، أكد الرئيس الإيراني، حسن روحاني، أن التسوية في سوريا لن تكون عسكرية، بل سياسية وبإرادة الشعب السوري فقط، ودون تدخل خارجي بعد إخراج كل الإرهابين وفلولهم بالكامل.

مخرجات ومحور أستانة، التي تديرها الدول الثلاث باعتبارها ضامنة لطرفي الصراع في سوريا، فروسيا وإيران تضمن النظام السوري، وتركيا تضمن المعارضة، كانت أهم الأسس التي ارتكزت عليها القمة الثلاثية في تناول الأزمة السورية، واتفق الزعماء على مواصلة تطبيق مناطق خفض التصعيد والإشراف عليها، ومراقبة وقف إطلاق النار والعمل على إيصال المساعدات الإنسانية وتبادل الأسرى والمعتقلين، مؤكدين إخفاق الدور الأمريكي ومن خلفه التحالف الدولي في تحقيق السلام والاستقرار في سوريا، وأنه لا نجاح لأي مساعٍ دون التنسيق مع هذه الدول الثلاث.

 

وتزامنت القمة الثلاثية مع نقاشات كثيرة حول مصير وتأثير الدور الأمريكي، وتصريحات متناقضة من واشنطن بشأن وجودها وأهدافها في سوريا، فبعدما أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بأنه سيعمل على سحب قوات بلاده من سوريا وعودتها إلى الولايات المتحدة من أجل المصلحة الوطنية، عاد ليوافق على إبقاء القوات الأمريكية في سوريا لفترة أطول قدرت بعام أو نحو عام، طبقًا لمسؤول كبير في الإدارة الأمريكية بعد اجتماع لمجلس الأمن القومي الذي عقد بحضور ترامب في واشنطن.

تصريح الناطقة باسم البيت الأبيض، ساره ساندرز، جاء سريعًا وملتبسًا، خاصة أن بيان البيت الأبيض تحدث عن انتهاء مهمة القوات الأمريكية في سوريا بهزيمة داعش، وقالت “لم يضع الرئيس الأمريكي جدولًا زمنيًا اعطباطيًا للانسحاب من سوريا، بل سيركز على الانتصار في الحرب، سنواصل الانتصار هناك لقد كلف الرئيس وزراة الدفاع ووزير الدفاع باتخاذ القرار الخاص بذلك”.

وطالبت ساندرز دول المنطقة “في إشارة إلى السعودية” التي ترغب ببقاء القوات الأمريكية في سوريا بالمساهمة الفعلية في تثبيت الاستقرار في سوريا وإعادة بناء المناطق التي استعيدت من قبضة داعش، ليس بالأموال فقط بل بتدريب القوات المحلية التي شاركت في محاربة داعش، وكذلك بتواجد فعلي في المناطق المحررة أيضًا.

ترامب الذي غاب عن وسائل الإعلام بما فيها تغريداته المعهودة كان قد طلب من السعودية تقديم 4 مليارات دولار لدعم خطط تثبيت الاستقرار في سوريا، كما طالبها مع بقية الدول العربية الغنية بالمساهمة الفعلية في جهود منع عودة تنظيم داعش إلى سوريا إذا أرادت أن تبقى الولايات المتحدة في سوريا.

ويرى خبراء أن انسحاب القوات الأمريكية مسألة وقت ليس أكثر، خاصة أن تصريح ترامب جاء في ظل إدارة صقورية فيها بومباي وبولتون، المفترض أنها جاءت لحمل خطاب تصعيدي وليس للحديث عن انسحابات، كما أن التصريحات من شأنها أن تؤثر على حلفاء واشنطن في الداخل السوري كالأكراد وتضعف من موقفهم، خاصة أن هناك احتمالا كبيرا أن تراجع ترامب عن الانسحاب، جاء في ظل صفقة خليجية دفعت فيها السعودية تكاليف بقاء القوات الأمريكية في سوريا، وليس لوجود خطة أمريكية واضحة للبقاء في سوريا.