إبرة البوصلة جنوبا

منذ الصغر عرفنا كثيراً من الحقائق العلمية والتي أصبحت من المسلمات, نكررها بكل يقين, مثل: “إبرة البوصلة تشير دوماً إلى الشِمال”! ولكن ما لم ننتبه إليه أن التوجه إلى الشمال لا يقتصر على إبرة البوصلة, وإنما أصبح هو التوجه العام لمجتمعاتنا العربية والإسلامية في القرن الماضي والحالي! فنحن وإن كنا نزعم أن قبلتنا هي “مكة”, إلا أن واقعنا صارخ بأن قبلتنا هي الشِمال, وإن شئنا الدقة فهي: “الشِمال الغربي”, والمتمثل في أوروبا وأمريكا الشِمالية!

فنحن كمجتمعات وإن كان لدينا من الثروات الطبيعية والبشرية الكثير, إلا أننا نعتمد اعتماداً –شبه- كلياً على الغرب في تسيير مجتمعاتنا, فالآلات الصناعية والطبية .. الخ نستوردها منهم, والمناهج العلمية منقولة منهم, و”الوسائل” والطرق والتطبيقات الحديثة كذلك! ومن كان حاله هكذا فيقينٌ أنه لن يكون ذا سيادة سياسية, فالواقع يقول كذلك أننا وإن كنا نكاد نمثل “وسط العالم” (تقريباً من غرب الصين وحتى موريتانيا), إلا أننا وسط غير فاعل! بل إننا مفعول به بجدارة, لذلك فنحن في الأعم الغالبة دول تابعة, تستجدي الرضى السامي لدول الشمال.

ولا يقتصر الأمر على الحكومات, وإنما يتعداه كذلك إلى الأفراد, فحلم النصيب الأكبر من الأفراد هو أن يحصل على فرصة للدراسة أو للبحث العلمي أو للعمل في إحدى دول الشِمال “المحترمة”, ومن يحصل على هذه الفرصة فكأنه حصل على صك بدخول “الجنة”! كما أن ثقافتنا تذوب وتتلاشى! ف “أساليب الحياة” تقليدٌ للحضارة الغربية, فالملابس السائدة بيننا هي ملابس “الشمال الغربي”, واللغات الأجنبية المتعلمة هي لغات أهل الشمال, والأفلام التي نشاهدها هي الأفلام الأمريكية, وإن أردنا التغيير نشاهد الأفلام الفرنسية أو الاسبانية!! وباستثناء ثقافتنا “الإسلامية”, والتي يعتبرها أكثر العرب المسلمين, جزءً من الدين, ومن ثم تمسكوا بها, فإنهم قد تنازلوا عن جزء كبير من الثقافة العربية القومية المحلية, وهكذا أصبح المكون الأكبر لأكثر الأفراد هو خليط من الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية! وتختلف النسبة من فرد لآخر, فتزيد هذه أو تزيد تلك! بينما تذوب وتتلاشى مكوناتنا الشرقية أو العربية أو حتى الآسيوية لصالح “حضارة الإنسان الأبيض”, والذي يتطوع كثيرٌ منا لنشرها ونقلها إلى الأجيال التالية, باعتبارها النموذج المثالي!!

وكإنسان لم يذب من هُويته إلا أجزاء –يرجو أن تكون- يسيرة, أتساءل: ألم يحن الوقت بعد لتتحول قبلتنا إلى الجنوب؟! ولا أقصد بالجنوب فقط “إفريقيا”, وإنما أقصد الجهة المعاكسة ل “الشِمال الغربي”, وهي: الجنوب الشرقي! والذي يشمل إفريقيا وجنوب شرق آسيا, والذي هو “شرقي” جغرافيةً … وثقافةً! والذي لا يزال أرضاً خصبة بكراً للبحث .. والعمل .. والتعاون!

إننا نزعم وجود “ندية” و”تنافسية” بين الشرق والغرب! ولست أدري كيف يمكن الحديث عن أو تصور مثل تلك الندية, إن لم يكن هناك شعور بالذاتية! أن نشعر بأنفسنا ونكتشفها! المشكلة أننا نتحدث كثيراً عن الشرق وعن إفريقيا, بينما لا ترى أعيننا “جسداً” يحمل هذه الأسماء! وإنما نرى شتاتاً متقطعاً غير ذي جدوى, لذلك لا نزال نرتمي في أحضان الغرب, فتتجه خير “ثمارنا” البشرية إلى هناك وتغرس نفسها في تربتها, فتجدد خصوبته, وتزيده قوة إلى قوته, ونزداد نحن جدباً ووهنا!

إننا إذا أعدنا النظر في الجنوب وجدنا “الكيان العربي”, كيانٌ قائم كان لاعباً مؤثراً في “الحضارة الإنسانية” لقرون (ولن أزعم أننا كنا المحور الذي يدور العالم في فلكه, كما زعم الغربيون, وجعلوا الحضارة “اليونانية” هي الأصل!), وبجوار العرب فهناك الحضارة الفارسية وهناك الحضارة الهندية وهناك الحضارة الصينية (وتوابعها), وهي حضاراتٌ كان لها من النتاج العلمي والفكري الكثير الوفير. وإذا كان من المنطقي أن “الشمال الغربي” لم يقم بتسليط الضوء بالقدر الكافي على هذه الحضارات, إذ أن ظهور “نجم” الحضارات الشرقية الأسيوية وما فيها من التميز والتفرد, (بالتوازي مع الحضارة الشرقية الإسلامية) كفيلٌ بإظهار نتاجه الفكري والتاريخي في حجمه الحقيقي! فما حجتنا نحن في عدم مد أيدينا إلى “إخوتنا” في الحضارة الشرقية, متكاتفين معهم, معبرين عن أنفسنا؟! ولن أقول إن الاتحاد قوة, وإنما سأقول: إن عصرنا هذا هو عصر التحول إلى “الكيانات الكبرى”, وبدون هذا التحول فلن تجد المجتمعات الصغيرة مكانا لها, وستصبح فريسة للأقوى منها!

ولا يقتصر الأمر على الظهير “الجنوبي الشرقي”, وإنما يتعداه كذلك إلى ظهيرنا الجنوبي المباشر .. إفريقيا .. القارة السمراء العظيمة .. البكر! والتي صورها الغرب لنا على أنها مجموعة من القبائل البدائية, بحيث أصبحنا نظن أنه لم يكن هناك يوماً ما في إفريقيا حضارة إلا مصر, وهو ما يكذبه التاريخ, فلقد شهدت إفريقيا العديد من الحضارات العظيمة, وربما لأنها لم تحتلنا في يوم من الأيام, فلم نسمع بها! الشاهد أنه يمكننا مد حبال الوصل معها بكل سهولة, باعتبارنا جزءً منها, وليس بيننا عداوات ولا “ثارات” قديمة, فنحن لم نحتلها يوما ولا هم فعلوا, ناهيك عن أننا أصحاب حضارة –يمكن القول أنها- واحدة! فنحن العرب وإن كنا في شِمال إفريقيا, إلا أننا كلنا ننتمي إلى الجنوب, كلنا نُصنف من أصحاب البشرة السوداء!

أعلم أن كثيراً منا لا يغريهم أن يذهبوا ليعملوا أو يبحثوا في إفريقيا أو آسيا, فأوروبا وأمريكا “أجمل”, وذوات عوائد مادية أعلى! كما أن كثيراً منا يريد أن يهرب من “البلاد المتخلفة”! ولكن لنتذكر أنه سبقنا إليهم نفرٌ من الغرب, أفلحوا في أن يكونوا “قناطر وحلقات وصل” بينهم وبين بلادهم, سهلوا لها فيما بعد امتصاص خير هذه البلاد, والذي كان من ضمن أهم الأسباب لوصول “الشمال الغربي” إلى هذا المستوى من الرفاهية! ولا بد من التنبيه إلى أنني لا أقصد أننا نمد أيدينا لإخواننا الأفارقة أو الآسيويين لنمتص خيراتهم فيما بعد, وإنما أرمي إلى تقارب .. ينتج عنه –مزيد- تعارف, يترتب عليه ضرب قناطر الوصل بيننا, فنصبح جسداً واحدا, يتقوون بنا ونتقوى بهم, فنستطيع أن نواجه الكتلة “الشمالية الغربية”, فينشأ عنه توازن في القوى, وترجيح لكفة الجنوب!

أعرف أنه سيُعتبر ضرباً من الجنون أن أدعو إلى أن يتعلم كثيرٌ من أبناء مصر خاصة –ومن أبناء العرب- عامة اللغات الإفريقية, واللغات الآسيوية, مثل اللغة الأردية أو الفارسية والمالاوية وبعض اللغات الهندية وكذلك اللغة السواحيلية وعديد من اللغات الإفريقية, وأن يكون هذا التعلم والإتقان خطوة أولى للسفر إلى هناك والإقامة للتعرف على الحضارات الجنوبية ودراستها والاستفادة من إنتاجها المعرفي والفلسفي, نعم التعلم منها, ثم نقل هذه المعارف إلينا .. وكذلك التعريف بنا وبحضارتنا! وفي هذا السياق أود التنبيه إلى أنه لا ينبغي أن يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها تضحية نبيلة, وإنما مجرد مخاطرة تستحق, فمن سيقوم بها سيصبح غالباً –بعد جهد لسنوات- رائداً في مجاله, وهو ما يترتب عليه شرفٌ معنوي, وكذلك الكثير من المكاسب المادية عبر كونه “رابطاً” بين حضارات وبلدان مختلفة!

فهل سنظل معرضين عن تلك البلاد التي تفتح لنا أيديها .. وقلبها, وترحب بنا, والتي يمكننا أن “نخلق” فيها مستقبلاً جديداً .. لأنفسنا وأوطاننا؟! أعلم أن تغيير اتجاه البوصلة أمر عسير يحتاج إلى جهد جهيد, ولكن الخطوة الأولى دوما في كل تغيير هي غرس البذرة .. أقصد: غرس الفكرة .. وها أنا أغرسها!