أسئلة بريئة إلى هؤلاء

لم تصبني أي مفاجأة لدى اطلاعي على العديد من النقاشات التي تدور بين مجموعات من النخبة المصرية أو مجموعات النخب العربية حول الضربة الصهيوأمريكية على سوريا، المفاجئ بالنسبة لي أن كثيرين من هذه المجموعات التي تمارس القتال بالكلام سواء بالمقالات أو بالتواجد على شاشات التلفزة أو حتى على شبكات التواصل الاجتماعي راحوا يحاولون البحث عن غطاء أخلاقي لحروب غير أخلاقية، حيث العدوان في حد ذاته، وأياً كانت مبرراته، هو عمل خارج منطق القانون الدولي وخارج أي منطق أخلاقي بالضرورة.

هؤلاء الذين يرون أخطاء الضحية ويضخمونها ولا ينظرون إلى خطايا المعتدين ويهونون منها، ليس لهم غير غطاء من التعري تحت مسمى محاربة الطغيان والديكتاتورية وكأن ترامب وماي وماكرون هم حماة حقوق الشعوب وكل منهم مارست ـ ولما تزال تمارس ـ بلاده أكبر عمليات دهس لحقوق الشعوب، سواء مباشرة وبقواتهم أو بالواسطة عبر عملاء يدعمون طغيانهم بشعوبهم وينصرون كل ديكتاتور متحكم في شعبه.

والحقيقة أني لا أجيد اللجاج مع مثل هؤلاء، ولست بوارد الدخول معهم في نقاشات بيزنطية، ما أن تبدأ حتى تمضي في الجدال من دون أي رغبة في الوصول إلى الحقائق البسيطة التي باتت تدخل في باب العلم العام لدى شعوب الأرض جميعاً.

ولكني أجدني مدفوعاً إلى طرح عدد من الأسئلة البريئة أمام أنظار هؤلاء:

السؤال الأول عن أهداف الغزاة المعتدين الحقيقية، هل يمكن أن يؤكد هؤلاء المدافعين عن العدوان أن تلك الأهداف تتمحور حول اسقاط الطغاة في وطنننا العربي، وهل من بين تلك الأهداف هدف إقامة الديمقراطية، والحفاظ على حقوق الشعوب العربية؟

وسؤال آخر: عن تاريخ العدوان الذي تمارسه قوى الغرب المهيمنة ضد شعوبنا العربية، هل هناك دليل أو شبهة دليل تشي بأن أهدافهم المعلنة في كل عدوان وحجتهم التي يختبئون خلفها لدى كل حرب علينا، هل تطابقت تلك الأهداف يوماً مع الحقيقة أو مع أغراضهم الحقيقية؟

غير “الخراب المستعجل”، ماذا جر تحرير العراق من صدام حسين على العراقيين أولاً ثم العراق نفسه ثانياً ثم على المحيط الإقليمي كله حول العراق؟

هل أقام الغزاة المحتلون نظاماً مستقراً في العراق، ولا نقول هل حققوا ديمقراطية؟ وفي أقل القليل هل قاموا ببناء حكومات بديلة للديكتاتور الذي أسقطوه لتحقيق أهدافهم الخاصة.

هؤلاء الذين يتجمعون اليوم لتوجيه ضربة جديدة ضد سوريا من أول ترامب إلى ماي إلى ماكرون ورابعهم بن سلمان هل لهم سابقة أعمال في قضية صناعة الديمقراطية في بلدان العالم، أليسوا هم وآخرين معهم من أشد مناصري الحكومات الديكتاتورية في بلدان العالم المتخلف، متى كان هؤلاء من دعاة الديمقراطية لشعوبنا ومتى كانوا حريصين على حقوق تلك الشعوب حتى يأكلهم قلبهم على ما يجري في شعب سوريا الذي شاركوا جميعا مع آخرين في قتله وتشريده وتدمير مقدراته وارجاع بلده إلى الخف ألف سنة؟

ألم يتضح وضوح الشمس في رابعة النهار أن التدمير كان هو الهدف الرئيسي والمباشر لكل حروب العدوان على البلدان

في عرف المدافعين عن أخلاقية العدوان العربية، هل يحق لأي أحد أن يدمر بلداً ويقتل شعبا بحجة أنه يقاتل ديكتاتوراً؟

هل الاحتلال رديف الديمقراطية، ومتى جلب الاحتلال استقراراً، ومتى أقام حكومة وطنية في البلد المحتل على مر عصور الاحتلال وحتى اليوم؟

بالمناسبة، وقبل أن يُصدَّر لي أحدهم عقيرته بالصياح على تلك الأسئلة أقولها بوضوح وحسم: بئست الديكتاتورية في كل مكان، وفي كل عصر، وفي أي بلد، وبئس الطغاة على مر التاريخ، السابقين واللحاقين ومن تبعهم إلى يوم الدين، وتعساً لكل ديكتاتور في بلداننا العربية، وما أتعس هؤلاء الذين يحاولون اختراع مبررات أخلاقية لحروب تدمير بلداننا العربية.