«هابو».. معبد قيد التشويه

على غرار ما حدث بالعديد من آثار مصر الفرعونية والرومانية وكنائس مصر القديمة، تعرض معبد «هابو» بمحافظة الأقصر لأعمال ترميم وطلاء من عمال محارة، انتهت بطمس معالم الأعمدة وتشويه الكتابات التاريخية المدونة عليها، كما تخلل الترميمات استخدام الأسمنت والطوب الأحمر.

أثريو الأقصر طالبوا بوقف ما وصفوه بالمهزلة، مطالبين بمحاسبة أصحاب قرار الترميم، كما أقدموا على نشر صور للمعبد أثناء ترميمه على مواقع التواصل الاجتماعي، وقال مصطفى سعد بمنطقة آثار الأقصر: نحن شعب رصيدنا الأكبر فى حضارتنا وتاريخنا الذي تحفظه مثل تلك المعابد الأثرية.

وأضاف لـ«البديل» أن ما يحدث بالمعبد من تشويه ممنهج ومتعمد لم يكن جديدًا، بل سيناريو يتكرر من حين لآخر، ضاربًا المثل بكنائس مصر القديمة مثل كنيسة الأنبا رويس التي رممها القديس سيدهم بشاي وتم طلاؤها وطمس معالمها، وتوقف الترميم بداخلها بعد صراخ اليونسكو وقتها.

تعرض المعبد لمرحلتين سابقتين من الترميم. هذا ما أكده الأثري فرنسيس أمين، مضيفًا أن أول مرحلة للترميم 1892 عرضت المعبد لأخطاء كبيرة وكثيرة، أبرزها نقل قطع أثرية عثر عليها منذ ذلك التاريخ إلى متحف القاهرة دون ذكر أماكن العثور عليها، ونقل أعمدة البازلت لخارج المعبد، من قبل الأثري الفرنسي «جورج دارسي»، والذي كان بمقدوره وقتها إعادة بناء تلك الأعمدة، كما لم يهتم بالتأصيل المعماري على القطع الأثرية التي عثر عليها في المعبد، وقد صعب بذلك مهمة الأثريين، فمنذ 1892 لم تكفِ محاولات معرفة الاكتشافات التي لم يوثقها الأثري الفرنسي. أما المرحلة الثانية فتمت في عشرينيات القرن الماضي، وكانت تتبع جامعة شيكاجو، وقد طالت المناطق الواقعة عند المدخل وقصر «رمسيس الثالث»، والذي أعيد ترميمه باستخدام الطوب اللبن والطوب الأحمر والأسمنت، وهذه المواد لا تؤثرعلى البناء الأثري، ولا تضر بأساسه، لأنه من الممكن إزالتها بسهولة.

وتابع «أمين» أن نظريات الترميم الأثري تتطور بتطور الزمن، وأن المرمم الناجح لا يتوسع في استخدام أدوات البناء في الترميم دون بحث ومعرفة، فالدكتور زكي إسكندر ومحمد فهمي وضعا فكرًا مستقبليًّا للترميم المصري منذ سبعينيات القرن الماضي، عندما أجروا بعض أعمال الترميم داخل مقبرة «نفرتاري» باستخدام تقوية لنقش صغير، بواسطة الأسمنت والصلب المسلح الذي لا يصدأ في مساحة سنتيميترات قليلة كنوع من التقوية، غير أن الأثريين في مصر سلكوا نمط المرممين الأجانب، منذ فترة العدوان الثلاثي، بعد رحيل البعثات الأجنبية، طالب «أمين» بمعرفة وقراءة الأثر وما مر به من تطورات تاريخية، حتى لا يعتبر الترميم هجومًا على الأثر لا حماية له.

ومعبد «هابو» أحد أقدم المعابد الجنائزية المصرية، بناه رمسيس الثالث؛ لعبادة الملك وعدد من الآلهة، يضم قطعًا تاريخية من عصور مختلفة، وظل المعبد محتفظًا ببنائه المكتمل؛ لكونه في مكان مرتفع، وأحاطه بسور ضخم من الطوب اللبن؛ لحمايته من مخاطر الفيضان، كما ظل معبد «هابو» مدينة قبطية متكاملة على مدار قرنين من الزمن، حيث كان مقرًّا لمطران طيبة، وبنى الأقباط بداخله حجرات مسقوفة، وأطلقوا عليه اسم «جيرمه».