“مفاجآت” ما بعد الانتخابات

من وجهة نظر مقال نشرته صحيفة ” الواشنطن بوست ” الأمريكية منذ عدة أيام ، تبدو الحياة السياسية فى مصر على موعد مع تعديلات دستورية تتيح للرئيس عبد الفتاح السيسى زيادة مدة الرئاسة إلى 6 سنوات بدلا من 4 سنوات، مع إلغاء شرط المدتين بحيث تكون بدون حد أقصى، وذلك عقب فوزه المؤكد بولاية ثانية فى الانتخابات المقرر إجراؤها فى 26 مارس الجارى وعلى مدار ثلاثة أيام.

وطبقا للصحيفة أيضا، فإن نظام الرئيس السيسى سوف يستمر فى فرض حصار تام على الحياة السياسي، على اعتبار أن هامش الحريات المصاحب لها كما كان الحال أيام الرئيس الأسبق حسنى مبارك هو الذى أدى إلى سقوطه عقب ثورة 25 يناير، وهو ما يفسر من وجهة نظر الصحيفة حرص النظام على إبعاد كل المنافسين الأقوياء للرئيس فى الانتخابات، لأن النظام بشكل عام لا يريد أى معارضة حقيقية لتوجهاته، أو بمعنى أصح لن يسمح بتواجدها أصلا على الساحة.

على نفس المنوال سارت كل الصحف الغربية التى نددت بالإجراءات المصاحبة للانتخابات، لكنها لم تصل إلى الحد الذى وصلت إليه الواشنطن بوست والذى توقعت فيه سيناريوهات كابوسية فى مصر تصل إحداها إلى وقوع اضطرابات سياسية خطيرة ضد الرئيس السيسي، قد تبلغ درجة الانتفاضة الشعبية.

فى عز موسم الانتخابات الرئاسية الذى نعيشه الآن، كان من المفترض أن يتناقش الرأى العام حول هذه القضايا التى يثيرها الإعلام الأجنبى، وأن ترد الحكومة عليها وأن تفندها وتنفى ما يستحق النفى منها، بل وأن تتولى حملة الرئيس السيسى بنفسها ترجمة هذه المقالات التى تندد بالانتخابات وتكشف أخطاءها من وجهة نظرها، لتثبت للعالم أن الرئيس يخوض انتخابات تستوفى الشروط والقواعد المتعارف عليها.

لكن أيا من هذا لم يحدث، استمرت السلطات فى حجب المواقع التى تنشر هذه المقالات، وتركت لبعض مؤيديها الحديث عن وجود مؤامرة غامضة – لا نعرف لها رأسا من رجلين – تستهدف تقويض أركان الدولة المصرية، وإيقاف مسيرة الإنجازات التى تحقق فى عهد الرئيس!

ما تراهن عليه السلطة فى مصر يتفق للأسف مع ما ذهبت إليه الواشنطن بوست، وهو الاستمرارفى تجميد الحياة السياسية فى مصر، حتى لا تتوافر أمام قوى المعارضة أى فرصة لتنظيم عمل جماهيرى واسع النطاق، ومع ذلك فإن الأمر المتوقع هو أنه مع استمرارتفاقم الأزمات المعيشية وارتفاع الأسعار طبقا لروشتة صندوق النقد الدولي، سوف يزداد منسوب الغضب العام، وسوف ترتفع أسهم اندلاع حركات احتجاجية فئوية لن ينقصها العشوائية، ستضع النظام أمام ثلاثة خيارات لا رابع لها، إما بتقديم تنازلات مؤقتة لهذه الفئات لمحاولة استيعاب حركتها العشوائية بتلبية بعض مطالبها الاقتصادية أو بقمعها بمنتهى القوة والعنف ، أو بمزيج ما بين الخيارين السابقين.

غياب السياسة – أو بالأحرى تغييبها- هو المشكلة الحقيقية التى تواجه النظام فى مصر، خاصة وأن العقلية الأمنية المهيمنة على السلطة لا تقدم أى مرجعية فكرية أو ثقافية تستند إليها فى أسلوب وطبيعة حكمها، بل ولا تبدى أى اهتمام يذكر بهذه الأمور، وحتى الدستور باعتباره أهم وثيقة سياسية تنظم علاقة السلطة بالشعب، فإن انتهاكات مواده التى تتعلق بالحريات السياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية تجري على قدم وساق، دون أن يثير ذلك اهتمام – ولا نقول غضب – البرلمان أو غيره من مؤسسات الدولة أو حتى الصحف وأجهزة الإعلام المحسوبة عليها .

لكن حضور الأمن وغياب السياسة لا يسير كما تتوهم السلطة فى مصلحتها ، فالأمن وحده لن يستطع تمرير قراراتها غير الجماهيرية، فبدون مشروع سياسى واضح المعالم والأبعاد، لن يتقبل الناس المزيد من القرارات الاقتصادية الصعبة، والتى تجعلهم يقتنعون بأن هذه السلطة هى الأفضل فعلا لحكم البلاد، فى نفس الوقت الذى لم تستطع فيه هذه السلطة تقديم أية مبررات لفشلها فى تحقيق كل الوعود الانتخابية التى قدمها الرئيس السيسى أبان ترشحه للرئاسة فى ولايته الأولى، ودون أن تقنع جمهور الناخبين أن هذا الفشل لن يكون أيضا مصير وعود الولاية الثانية.

نحن أمام سنوات مراوغة، نظام لا يستطيع إدارة أزماته بكفاءة سياسية، وانحيازاته الطبقية تزيد من مساحة الجفاء بينه وبين الأغلبية الساحقة من شعبه التى تكابد الفقر والغلاء، وتحركاته الإقليمية والدولية تثير عشرات الأسئلة الحائرة، وهى أمور تجعل هذه السنوات حبلى بمفاجآت قد لا تبدو حتى الآن فى حسبان أحد سواء في السلطة أو المعارضة !