مدن مصرية على خط المواجهة (7) بورسعيد.. هنا اندحر العدوان

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بيلوز، برآمون، الفرما، تنيس.. مدن عبرت بوابات التاريخ، وكتبت أنصع صفحات المجد، تشكل اليوم في مجموعها الموقع الفريد الذي تحتله المدينة الباسلة، قاهرة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وبرغم أن الكثيرين يرجعون نشأة المدينة إلى اليوم الذي بدأ فيه العمل في مشروع قناة السويس، وهو يوم الخامس والعشرين من أبريل عام1859، إلا أن تاريخ تلك البقعة ممتد لأزمنة بعيدة، وإن اختلفت المسميات، كما أنها شهدت العديد من المعارك، والمواقف العظيمة التي لا يمكن إغفالها أو التغاضي عنها.. هنا كان النيل يمر بأكبر فروعه وأوفاها الفرع البيلوزي، وكان هذا الفرع يضم ميناء كبيرا يقصده الفينيقيون، ومنه يدخلون إلى مصر للتجارة.

وحين تسلل الهكسوس عبر سيناء إلى مصر مستغلين ضعف الدولة المصرية في عهد سنوسرت الثاني 1897ق.م أقاموا مدينة لهم بالقرب منها، وأسموها “جات أورات” حصونها على أفضل ما يكون، وجعلوا لها حامية ضخمة قدرت بنحو مئتي ألف جندي..وقد شهدت الفرما أكبر المعارك بين الفرس والمصريين عام525ق.م.. وقد انهزم المصريون فيها، واحتلت مصر من قبل الفرس، واقتيد الملك بسماتيك الثالث آخر ملوك الأسرة السادسة والعشرين إلى سوسا عاصمة الفرس حيث أعدم.

عاد الفرس مجددا في نحو عام 616م للهجوم على المدينة، فألحقوا دمارا كبيرا طال كنائسها وأديرتها ومنازلها ولكن الشعب تصدى لهم، وأجبرهم على الجلاء عن المدينة.. ثم كان الفتح العربي لمصر عام 640م، وقد قاومت المدينة متمثلة في حاميتها الرومانية قرابة الشهرين قبل أن يفتحها العرب بمعاونة القبط، ويذكر المؤرخون أن “قيرس” رفض امداد الحامية بالعتاد والرجال، بعد أن أيقن أن العرب منتصرون لا محالة.

وفي عام 1118م هاجم الصليبيون المدينة بأمر الملك “بلدوين” الأول ملك بيت المقدس؛ وحاق الدمار بالمدينة على نحو غير مسبوق؛ حتى صارت أثرا بعد عين.. خربت المدينة وهجرها من بقي من أهلها على قيد الحياة، وظلت أطلالها شاهدة على وحشية الصليبيين وبربريتهم..وفي حين اختفت مدينة الفرما من الوجود استمرت مدينة تنيس في حال من الازدهار إذ كانت تنتج المنسوجات غالية الثمن التي كانت تصدر لعدد من المدن الأوروبية إلا أن الملك الأيوبي محمد بن العادل الملقب بالكامل يأمر بتدمير تنيس وتهجير أهلها الذين قدروا وقتها بنحو خمسين ألف نسمة، وكان السبب في هذا الأمر هو ألا تقع المدينة في أيدي الصليبيين، فيتخذوها مركزا للهجوم على مدينة الطينة التي كانت معقلا للأيوبيين.

تركت تلك الحروب الطاحنة المنطقة يبابا حتى وقع عليها اختيار اللجنة الهندسية لتكون نقطة انطلاق مشروع قناة السويس، فكان يوم 25 أبريل 1859، بمثابة بعث جديد لمنطقة طالما غيبتها يد الإهمال والنسيان.

“لم يكن في بورسعيد أي مقومات للحياة، فقد كانت عبارة عن أرض صحراوية جرداء منخفضة عن سطح البحر تغمرها المياه في زمن الفيضان فقام ديليسبس باستجلاب مياه الشرب من المناطق القريبة سواء من دمياط أو من المطرية ولكنها لم تسد حاجة العمل ، وبتقدم الزمن وصلت المياه لبورسعيد بعد توصيل أنابيب ذات قطر واسع لنقل المياه من ترعة العباسة ، وانتهت مشكلة المياه للأبد بعد حفر قناة المياه العذبة واعتبر شقها حدثا تاريخيا عند أهل بورسعيد لا يقل عن حدث شق قناة السويس”، ثم بدأ مشروع إنشاء خط سكة حديد ليربط بين المدينة والإسماعيلية، وتم الانتهاء منه وافتتاحه في أوائل ديسمبر1893.

وقد كانت بورسعيد في القلب من الأحداث التاريخية والوطنية التي شهدتها مصرفي العصر الحديث، حيث شهدت الاحتلال البريطاني لمصر 1882، ولم يعرف المحتل الغاشم طعم الراحة في المدينة طوال عقود سبعة، كانت بورسعيد فيها جذوة نضال وكفاح لا تنطفئ خاصة بعد إلغاء معاهدة 1936، والتي كان إلغاؤها بمثابة الشرارة التي انطلقت لتعلن عن بدء مرحلة جديدة في حرب الاستقلال ضد المحتل لم تنقض إلا بخروج آخر جندي بريطاني من مصر بعد توقيع اتفاقية الجلاء عام 1954.

ويبقى أحدث الأبرز في تاريخ المدينة الباسلة هو تصديها للعدوان الثلاثي عام1956، عندما حاولت بريطانيا وفرنسا ومعهما دويلة الكيان الصهيوني إسقاط نظام عبد الناصر بعد تأميم قناة السويس.. وقد ظن الأعداء أن تلك الحرب ستكون بالنسبة لهم نزهة، نظرا لاختلال موازين القوى العسكرية بين الجانبين.. لكن المصريين وخاصة أهل بورسعيد قدموا أروع البطولات بعد صمودهم أمام استمرار قصف المدينة من الجو والبحر طوال يوم 5 نوفمبر، وتصدت المقاومة الشعبية للقوات التي تم إبرارها جوا، ودع العدو الأنجلوفرنسي ثمن غروره عندما قدم جنوده لقمة سائغة للمصرين في منطقة رأس الشاطئ التي مني الأعداء فيها بهزيمة نكراء، وفقدوا عددا كبيرا من رجالهم، ولم يستطيعوا التقدم نحو الإسماعيلية كما كان مخططا.

شهدت تلك المعارك بطولات لا حصر لها قدمها الفدائيون من المدنيين والعسكريين نذكر منهم جواد حسني، ومحمد مهران والسيد عسران نبيل منصور وعلي رزق سكرانه وحسن حمودة.. والمقدم بحري جلال الدسوقي والملازم بحري جول جمال من القطر العربي السوري وقد استشهدا في معركة البرلس البحرية.

ومن أشهر العمليات التي أسفرت عنها عمليات المقاومة، أسر الضابط “مورهاوس” قريب الملكة وقد توفي في محبسه كما اغتيل الميجور “جون وليامز”.

وقد عانت المدينة الباسلة ويلات الحرب من ذلك الحين، وحتى انتصار أكتوبر العظيم، وقد تصدت المدينة للصهاينة، ولم يستطع العدو احتلال بورفؤاد رغم احتلاله لشبه جزيرة سيناء بالكامل؛ بسبب استبسال المقاومة في الدفاع عن المدينة، وقد شهدت منطقة رأس العش القريبة من بورفؤاد أول بشائر دحر العدوان عندما تصدى 30 جندي من رجال الصاعقة لقوة مدرعة للعدو تدعمها كتيبة مشاة، وسرب مقاتلات- حاولت احتلال بورفؤاد، وقد تكبد العدو خسائر كبيرة في المعدات والأفراد، فارتد خائبا، ولم يفكر في احتلال بور فؤاد مجددا.

ورغم مرور السنوات وتغير كل شيء في المدينة بعد الانفتاح والمنطقة الحرة، إلا أن لحن المقاومة والنضال مازال يتردد في الأسماع، وسيبقى خالدا إلى الأبد.