لا تستسلم أبدا

لاحظ الأمريكان أن حديقة “هايد بارك” الإنجليزية تتسم بعشبها الأخضر المتوهج الكثيف، فسألوا الإنجليز عما إذا كان بوسعهم شراء البذور التى تمنح هذا العشب حيويته وغزارته فلم يمانع الإنجليز، وأرسل الأمريكان سفينة لشحن كمية هائلة من بذور عشب الحديقة. لكن بعد عام من استخدام هذه البذور اكتشف الأمريكان أن العشب الجديد يقل فى جودته عن عشب حديقة “هايد بارك” الإنجليزية، فسألوا الإنجليز عن سبب ذلك فأجابوا أنه لا بد من عملية قص للعشب الجديد ثم سقايته بالماء، ففعلوا ذلك لكن الفارق ظل قائما بعد عام آخر من القص والرى.

توجه الأمريكان بطلب النصح من الإنجليز فاقترحوا عليهم إجراء المزيد من عمليات القص والرى بالماء، لكن التحسن كان يمضى بطيئا فاشتكوا إلى الإنجليز مرة أخرى، فقالوا لهم فى النهاية: “ماذا تظنون؟ عليكم أن تواصلوا تشذيب العشب وسقايته بالماء لمائة عام أخرى حتى تصلوا إلى العشب المطلوب”.

فى هذا العصر الذى تنتشر به مطاعم الوجبات السريعة، والنظم الغذائية لإنقاص الوزن بسرعة، والكتب التى تعلم الأشياء فى وقت قياسى، ومخططات الثراء السريع، والأرباح اليومية فى البورصات المالية، وبرنامج “من سيربح المليون”، ربما نحتاج لأن نتوقف قليلا ونستخلص درسا من حديقة “هايد بارك”. وهذا الدرس مفاده أننا حين نصبر ننجح فى تحقيق الفوز وجنى المكاسب، ليس هناك شىء يحدث فى لمح البصر، لكننا فى كثير من الأحيان لا نكون على استعداد لأن ننتظر موسم الحصاد. فحين نغرس البذور، ولا نرى النتائج، نفقد صبرنا، ونستمر فى جذب الشتلات لنرى ما إذا كانت الجذور قد نمت، ولا نعلم أننا عندما نفعل ذلك، نمنعها من النمو. وهذا فقط لأننا لا نستطيع أن نصبر قليلا.

إن تحقيق النجاح الدائم وطويل الأمد يستغرق وقتا، وكل إنجاز كبير غالبا ما تسبقه أعوام من الكد، والتعب، والعمل الشاق، والصعوبات، والإخفاقات، والقلق، والتوتر، وليال طويلة بلا نوم. لقد قضى العالم الألمانى الكبير ألبرت أينشتاين عشرة أعوام قبل أن يتمكن من نشر نظرية النسبية العامة عام 1915، التى غيرت مفاهيمنا عن الطبيعة وقلبت تصوراتنا عن العالم والكون الذى نعيش فيه رأسا على عقب، وحصل عنها على جائزة نوبل فى الفيزياء عام 1921. والأديب المصرى الكبير نجيب محفوظ استغرق أربعة أعوام متصلة، ابتداء من عام 1948 وحتى عام 1952، فى كتابة رائعته “الثلاثية”، والتى تعتبر أفضل رواية عربية فى تاريخ الأدب العربى، وكانت أحد الأسباب الرئيسية لحصوله على جائزة نوبل فى الآداب عام 1988، أما المخرج البريطانى ريتشارد أتنبوره فقد قضى عشرين عاما كاملة قبل أن يشعر بالاستعداد لإنتاج فيلم “غاندى”،  هذا العمل الضخم الذى يصور حياة الزعيم الهندى المهاتما غاندى، والذى جعله يفوز بجائزتى أوسكار أفضل فيلم وأفضل مخرج عام 1983.

نعم يستغرق النجاح وقتا طويلا. وأنا لا اخبرك بذلك كى أحبطك، بل أفعل ذلك كى لا تصاب بالإحباط عندما تظن أنك ستنتهى من شىء ما فى غضون شهور قليلة ثم تجد أنك بعد مرور سنوات ما زلت تعمل على إنجازه. لذلك فى المرة القادمة حين تشعر بالإحباط نظرا للنتائج الهزيلة التى جنيتها وتنتابك الرغبة فى الاستسلام والتخلى عن المهمة، لا تفعل ذلك، ولكن فكر فى عشب حديقة “هايد بارك”.

ذات مرة زار الزعيم البريطانى ونستون تشرشل إحدى المدارس، فطرح عليه أحد الأطفال سؤالا بخصوص رأيه فى سر النجاح فى الحياة. فجاء رده كالتالى: “فقط سبع كلمات”، ثم صمت لوهلة كما هو مشهور عنه، وبعد ذلك استأنف حديثه قائلا: “لا تستسلم أبدا، أبدا، لا تستسلم أبدا”. أما المخترع الأمريكى توماس إديسون، الذى واجه الفشل تلو الفشل أكثر من ألف مرة قبل أن يصنع المصباح الكهربائى، فقال: “أنا لست ممن تثبط همته، لأن كل خطوة خطأ أخطوها، أعالجها بأخرى تدفعنى إلى الأمام”.

وما ينطبق على الأفراد ينطبق أيضا على الشعوب، علينا أن نتخلص من وهم إمكانية إقامة نظام سياسى سليم ومكتمل الأركان فى غضون بضع سنوات. الديمقراطية تتطلب عملا طويلا وشاقا، لن يخلو من الأخطاء والعثرات وربما الانتكاسات، بل إن الديمقراطية لن تصحح نفسها بنفسها وتؤكد وجودها النهائى إلا بالأخطاء التى ترتكبها جميع القوى السياسية، بهذا يتعلم الجميع. الثورة الفرنسية التى اندلعت عام 1789 فى جميع أرجاء فرنسا، وكان لها تأثيرات كبيرة وعميقة على العالم كله، وانتهت رسميا بديكتاتورية نابليون بونابرت عندما تحالف مع الطبقة البرجوازية وتوج نفسه إمبراطورا على فرنسا عام 1804، احتاجت تلك الثورة العظيمة إلى مئة وستة عشر عاما لتحقيق هدفيها الرئيسيين: القضاء على الملكية المطلقة فى الحكم، ونزع سلطة الكنيسة عن المجتمع، وقد مرت فرنسا خلال تلك الفترة الطويلة بثورتين عارمتين فاشلتين عام 1830 وعام 1848 وانتفاضة قصيرة فاشلة عام 1871.

 

أختتم المقال بحكاية الضفدع الفضولى الذى كان يحب الإطلاع على كل ما حوله، وبينما كان يحاول أن يقفز فى منزل فلاح، ليكتشف عالما جديدا، وقع بالخطأ فى سطل لبن طازج، حاول أن يقفز خارجه لكن حواف السطل كانت عالية، حاول أيضا أن يصل إلى القاع ليدفع نفسه بقوة للخارج، لكنه كان عميقا جدا. ورغم تلك الظروف الصعبة من اللبن الذى يعوق رؤيته إلى فقدان الأمل فى النجاة، لم يستسلم الضفدع، وحاول أن يركل السطل ويتلوى ويضرب اللبن بقدميه، وحتى بعد أن بدأت قدمه تؤلمه، ظل الضفدع يركل السطل بقدميه، ويضرب بها فى اللبن ويتلوى، رغم أنه ليست هناك أى بارقة أمل للنجاة. ولكن كل هذه الحركات العنيفة كان لها الأثر فى النهاية، فقد تحول اللبن إلى كتلة صلبة من الزبد، وهكذا قفز الضفدع من فوق كتلة الزبد وهرب مستعيدا حريته. هل وصل المعنى الذى أريد أن أقوله؟ أرجو ذلك.