قضية «سكريبال».. أزمة سياسية تتوسع وتستحضر أجواء الحرب الباردة

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

ولاية رئاسية جديدة من ست سنوات بدأها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أمس الاثنين، بخلافات غير مسبوقة مع القارة العجوز، تهديدات وملاسنات تتصاعد وتطورات تتسارع وتخرج عن سياق السيطرة، فبعد أن كانت الأزمة تقتصر على روسيا وبريطانيا، امتدت إلى الاتحاد الأوروبي، الذي قال إنه بصدد اتخاذ إجراءات “صارمة وحازمة” ضد موسكو، الأمر الذي قد يشكل عقبه في استراتيجية “بوتين” الذي تعهد بأنه “سيعمل خلال ولايته الرابعة على حل الخلافات مع الشركاء الدوليين بالوسائل السياسية والدبلوماسية”.

الاتحاد الأوروبي على خط الأزمة

تتصاعد الأزمة الروسية البريطانية على خلفية قضية تسميم الجاسوس الروسي السابق في بريطانيا “سيرجي سكريبال”، فبعد أن اتخذت لندن العديد من الإجراءات التي وضعتها في سياق معاقبة موسكو، ردت الأخيرة بالشكل نفسه، الأمر الذي أشعل أزمة سياسية ودبلوماسية بين الطرفين، ربما ترتقي في المستقبل القريب إلى أزمة أوروبية روسية، حيث امتدت هذه الأزمة، أمس الاثنين، إلى باقي دول الاتحاد الأوروبي، وذلك بعد أن صدر بيان من الاتحاد الأوروبي، عبر فيه وزراء خارجيته الـ28 عن “التضامن المطلق” مع بريطانيا، وقال الوزراء في بيان مشترك خلال اجتماعهم في بروكسل “إن الاتحاد الأوروبي يعبر عن تضامنه المطلق مع المملكة المتحدة ودعمه لها، بما في ذلك جهود المملكة المتحدة لإحضار المسؤولين عن هذه الجريمة أمام العدالة”.

في ذات الإطار تبنى رئيس وزراء بولندا، ماتيوش مورافيسكي، لهجة حادة ولاذعة في التعليق على الأزمة البريطانية الروسية، حيث قال “مورافيسكي” أمس إنه اتفق مع المستشارة الألمانية، انجيلا ميركل، التي تزور وارسو على أن يصدر من “الاتحاد الأوروبي رد حازم وليس فقط رمزيًّا في قضية تسميم الجاسوس الروسي السابق في بريطانيا”، وقال في مؤتمر صحفي: نتوقع من الاتحاد أن يدرج مسألة الهجوم الروسي في خلاصات المجلس الأوروبي، وأضاف: على المعتدي الروسي أن يعلم بأنه لا يستطيع مهاجمة دولة عضو في الحلف الأطلسي.

تصريحات ميركل جاءت أقل حدة من نظيرها البولندي، حيث امتنعت عن نسب مسؤولية تسميم “سيرجي سكريبال” مباشرة إلى روسيا، وقالت إن “معلومات جدية توجه أصابع الاتهام إلى روسيا، وعلى روسيا الأن أن تثبت أن الأمر ليس كذلك”، لكنها أصرت على وجوب صدور “خلاصات قوية من المجلس الأوروبي في 22 و23 مارس”، مضيفة أن ألمانيا ستتحرك بهذا الاتجاه.

غضب روسي من التماهي الأوروبي

التضامن الأوروبي الأعمى مع لندن وتوجيه التهم الجذافية إلى روسيا، دون انتظار انتهاء التحقيقات والاطلاع على نتائجها، أثار غضب روسيا، وهو ما ظهر في ردها على بيان الاتحاد الأوروبي، حيث علقت وزارة الخارجية الروسية على بيان الاتحاد الأوروبي بالقول “نأسف على تنكر الاتحاد الأوروبي للحقائق الواضحة، تماشيًا مرة أخرى مع اعتبارات أسيء فهمها حول التضامن الأوروبي، بالإضافة إلى تراكم ردود الفعل المعادية لروسيا”، وأضافت: ما يثير الحيرة هو التسرع الذي أعلنته دول الاتحاد الأوروبي في موقفها المهم جدًّا حيال تكهنات السلطات البريطانية بشأن تورط روسيا في قضية سكريبال المأساوية.

وتابعت الوزارة: “كان على دول الاتحاد استيضاح دوافع زملائها البريطانيين من قضية سكريبال، قبل التضامن مع لندن بحقن الهستيريا الإعلامية بخصوص قضية سكريبال”، وألمحت موسكو إلى العلاقة بين الضجة التي أثارتها لندن بشأن قضية سكريبال وعملية التفاوض حول البريكست، التي من المقرر أن يناقشها مع الاتحاد الأوروبي في جلسته المقررة خلال 22 -23 مارس المقبل، قائلة: كل الأمور تشير إلى أن بريطانيا مستعدة لكل الحيل، فقط لصرف انتباه البريطانيين عن الفشل على الجبهة التفاوضية مع الاتحاد الأوروبي فيما يخص شروط خروج بريطانيا من الاتحاد، وأضافت: كما يبدو فإنهم في لندن اعتبروا أنه بحصولهم على الدعم من شركائهم في الاتحاد الأوروبي، فإنه سيسهل عليهم توجيه مناقشات الاجتماع القادم لمجلس أوروبا في 22-23 مارس، في المجرى المناسب لهم، بدلًا من التركيز على مناقشة الوضع في المحادثات البريطانية-الأوروبية، كما كان مفترضًا.

وأشارت الخارجية الروسية إلى أن “بيان الاتحاد الأوروبي لم يحتوِ على أي كلمة مفادها أن بريطانيا لم ترسل لنا أي معلومات عن ملابسات القضية، ورفضت إجراء تحقيق مشترك في الحادث، أو التعاون على أساس ثنائي في إطار منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، أو من خلال المنظمة ككل، كما أوقفت الاقتراح الروسي في مجلس الأمن، بدعوة لتعاون جميع الأطراف على إثبات الحقيقة”، كما أشارت موسكو إلى “تجاهل وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي حقيقة أن لندن لم تطلع حلفاءها أو حتى البرلمانيين البريطانيين على نتائج التحقيق، وتجاهلت حقيقة أن جميع الأسلحة الكيميائية في روسيا قد دمرت، كما أكدت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في عام 2017”.

وختم بيان الخارجية الروسية بالتساؤل: هل ينبغي اعتبار ذلك عدم ثقة الاتحاد الأوروبي وبريطانيا بهذه المنظمة الدولية المتخصصة؟ لا يوجد لدينا شيء نظهره كما يطالبنا الاتحاد الأوروبي، في روسيا لا تنتج أو تخزن أي مواد سامة من “نوفيتشوك”، ربما يتعين على الاتحاد الأوروبي التوجه بمثل هذا الطلب إلى بريطانيا نفسها، وإلى عدد من الدول الأعضاء الأخرى، حيث يبدو أن تطوير مثل هذه المواد مستمر، ومن المستحسن أن يبدأ شركاؤنا في المفوضية الأوروبية في تنظيم زيارة دراسية للمختبر الحكومي لأسلحة الدمار الشامل في بورتون داون البريطانية، المقام على بعد بضعة كيلومترات من بلدة سالزبوري البريطانية، حيث وقع الهجوم على سكريبال.

بريطانيا تُصعد مجددًا

وفي ظل تصاعد حدة الأزمة واتساع رقعها، أعادت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، أمس الاثنين، تجديد اتهاماتها خلال زيارة لبرمنغهام وسط بريطانيا، حيث قالت “أؤكد أن ما شهدناه يدل على أنه ليس هناك سوى استنتاج واحد، وهو مسؤولية الدولة الروسية عما حصل في شوارع سالزبري”، وهي التصريحات التي ردت عليها روسيا مجددًا بدعمها بالأدلة أو الاعتذار عنها، حيث قال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف: “عاجلًا أم آجلًا يجب الرد على هذه الاتهامات التي لا أساس لها، إما عبر دعمها بالأدلة المناسبة أو الاعتذار عنها”.

في ذات الإطار لوح وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، بعقوبات إضافية ضد موسكو، حيث أعلن أن نفي روسيا المتكرر لتورطها في تسميم العميل الروسي السابق في بريطانيا بواسطة غاز الأعصاب “يزداد عبثية”، مضيفًا: للندن أدلة على أن روسيا لم تسعَ فقط إلى تطوير غاز الأعصاب لاستخدامه في اغتيالات في السنوات الـ10 الأخيرة، بل أيضًا لديها احتياطي من مادة نوفيتشوك، وأوضح أن رئيسة الوزراء البريطانية بصدد الاجتماع اليوم الثلاثاء مع مجلس الأمن القومي؛ لمناقشة فرض عقوبات إضافية على روسيا، مضيفًا: الأفراد الذين جمعوا ثروة بفضل الفساد وبفضل علاقتهم مع الكرملين قد يضطرون إلى تفسير مصدر أملاكهم في بريطانيا تحت طائلة حجزها”.

هل تتورط بريطانيا؟

التصعيد الأخير يأتي بالتزامن مع وصول خبراء من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى بريطانيا، أمس الاثنين، لأخذ عينات من غاز الأعصاب المُستخدم في تسميم الجاسوس الروسي “نوفيتشوك”، حيث يلتقي الخبراء مع مسؤولين من مختبر علوم وتكنولوجيا الدفاع القريب من سالزبري، ومن المفترض أن يجتمعوا بعناصر من الشرطة البريطانية قبل إرسال نماذج إلى مختبرات دولية لتحليلها، ومن المتوقع أن يستغرق صدور النتائج أسبوعين على الأقل بحسب مسؤولين بريطانيين.

وقال الخبير الكيميائي، ليونيد رينك، أحد العلماء الذين ركّبوا المادة السامة “نوفيتشوك”، إنه كان بمقدور البريطانيين أنفسهم تسميم ضابط الاستخبارات الروسية السابق، وأكد “ليونيد رينك” أن تكنولوجيا إنتاج المادة السامة المشلة للأعصاب “نوفيتشوك”، التي يقارنها البريطانيون بالمادة “A234“، يمكن أن تتم بسهولة تامة في أي مختبر كيميائي حديث عند توفر المختصين المحترفين، مشيرًا إلى وجود مثل هؤلاء المختصين لدى بريطانيا الذين كان بمقدورهم تلويث أي أشياء تعود لـ”سيرجي سكريبال” وابنته “يوليا”، سواء في منزل الأول أو في المقبرة، حيث ترقد زوجته.

وفسر “ليونيد رينك” سبب رفض الجانب البريطاني تسليم روسيا عينة من المادة التي تسمم بها سكريبال وابنته، قائلًا: سيتبين على الفور أن المادة لم تنتج في روسيا، حيث لكل دولة تكنولوجياتها الخاصة المتميزة في إنتاج المواد الكيميائية، ويمكن بسهولة تحديد مصدر كل مادة، ودحض الخبير مزاعم وقوف روسيا خلف محاولة تسميم “سكريبال” وأكد أن أي عميل روسي محترف لن يستخدم أي مادة سامة ذات أصل روسي وتحمل اسمًا روسيًّا في الاغتيالات، وأشار إلى عدم وجود أي دافع لدى روسيا لقتل سكريبال؛ لأنه ومنذ فترة بعيدة بات في حكم المنتهي.

الأزمة إلى أين؟

يبدو أن التوتر الروسي البريطاني يأخذ منحنى تصاعديًّا، حيث تطور خلال الأيام القليلة الماضية من كونه خلافًا بين دولتين إلى خلاف بين قارة بأكملها ودولة عظمى، ويتكهن العديد من المراقبين بتطور هذا الخلاف في المستقبل القريب، خاصة في ظل وجود أحاديث حول فرض المزيد من العقوبات البريطانية على روسيا، ومن المؤكد لن تقف الأخيرة مكتوفة الأيدي أمامها، الأمر الذي يعني استعار الخلافات الروسية الغربية، وهو ما تستفيد منه أمريكا كثيرًا، ولا يُستبعد أن تعمل على تأجيجه أكثر، وهو ما بادرت به في بداية الأزمة، عندما أعلنت دعمها لبريطانيا، موجهة أصابع الاتهام إلى روسيا، الأمر الذي يعني أن العلاقات الأوروبية الروسية قد تعيش مجددًا أجواء الحرب البادرة، خاصة في ظل وجود لائحة طويلة من الخلافات القديمة بين الطرفين الروسي والأوروبي في العديد من الملفات.