قراءة في كتاب «العنف والإنسان» ليورج بابروفسكي

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

من عنف الأفراد إلى عنف الدولة، ومن القرون الوسطى إلى العصر الحدبث، يتتبع الكاتب والمؤرخ الألماني يورج بابروفسكي في كتابه “العنف والإنسان” أوجه العنف المتنوعة التي يمارسها الإنسان، محاولًا فهم كيف يؤثر العنف على البشر ويعيد تشكيل حيواتهم.

أكثر ما يميز الكتاب، الصادر في ترجمته العربية حديثًا عن دار صفصافة بترجمة دكتورة علا عادل، أنه لا يهدف لإدانة فئة بعينها، أو مرحلة زمنية محددة، بتهمة ممارسة العنف، كذلك لا يعيد ترويج الإجابات المكررة عن دوافع العنف وممارسة الإنسان له، بقدر يسلط الضوء على وجوه العنف المتعددة التي نتورط في ممارستها بوعي أو دون وعي، عبر هذه الرؤية التي تسعى للمسألة والبحث، لا للوصول لحقائق مطلقة، يصبح القارئ ليس مجرد متلقي، ولكن شريكًا وفاعلًا في العمل، ومتحملًا لمسؤولية الحد من العنف سواء على المستوى الشخصي أو العام.

يتجاوز الكتاب كذلك صور، وتمثلات العنف الآنية، وربطها بالإسلام، أو ديانات وشعوب محددة، مسلطًا الضوء على علاقة الإنسان بالعنف الممتدة عبر التاريخ، وفي مختلف الثقافات والمجتمعات. “ينتشر العنف في كل مكان، يتضارب الناس ويتقاتلون مبررين ذلك بدافع الطاعة، أو لكونهم مجبرين، أو بحكم العادة، أو بدافع السعادة، لقد قضيت سنوات كثيرة من حياتي أبحث عن إجابة سؤال ما يفعله الناس في العنف؟، وكيف يشكل العنف الناس” يقول بابروفسكي في مقدمة كتابه.

ويضيف:”يغير العنف كل شيء، ومن يتعرض له يصبح شخصًا آخر، معايشة العنف شأنها شأن رحلة إلى عالم جديد، حيث تسود قواعد أخرى ويعيش أشخاص آخرون، ما أن تطأ قدمك موطن العنف حتى تعرف أنه لم يعد أي شىء كما كان، وقد كتب الجندي ويلي ريس يقول إنه لم يستطع مطلقًا نسيان وحشية العنف، والتي كان شاهدًا عليها، فقد نظر إلى قاع الروج الإنسانية ولمس فظائع الحرب، ريس، المهووس بالكتب، مرهف الحس، أصبح شخصًا آخر، منذ أن رأي الجحيم وقتل نساء وأطفالًا، وأمطر جنود الأعداء بوابل من رصاص سلاحه الآلي”.

أسطورة التحضر

يتسأل يورج بابروفسكي في الفصل الثالث من الكتاب بعنوان “إزالة الحدود .. الحداثة والعنف” هل الإنسان المعاصر أقل عنفًا من إنسان العصور الوسطى، وإلى أي مدى ساهمت الحياة المدنية الحديثة في ترويض العنف البشري، أم العكس، هل الإنسان المتحضر أصبح أكثر شراهة لممارسة العنف، لكن عبر صور جديدة ومختلفة عن صور العنف المعتادة.

يشير بابروفسكي إلى أن العنف لم يختف، وإنما أصبح بقوته المهلكة من سمات القرن العشرين “لم يسبق أن تعرض ناس للقتل والتعذيب بسبب نزاعات حربية، مثلما كان الحال في القرن المنصرم”. موضحًا أن المدنية والتحضر لم يوقفا النخب الأوروبية عن ممارسة العنف، فقط تم نقل العنف، لأقاليم وبلاد بعيدة.

ويضيف:”عندما أخضعت القوات الفرنسية الجزائر لسيطرتها في منتصف القرن التاسع عشر، أُُخمدت المقاومة بإرهاب الجزائريين بلا رحمة، حيث قطعوا رؤوس سكان القرى ودمروا منازلهم، فأصبحت بعض المناطق خالية من السكان، بعد أن مر بها الفرنسيون”.

عنف الدولة

واحدة من سمات المجتمعات الحديثة ترتبط باحتكار الدولة لممارسة العنف، واستخدامه فقط من أجل حماية المجتمع، لكن هذه الدولة أصبحت في كثير من الأحيان هى مصدر رئيسي للعنف ومروج له، في هذا السياق يقول بابروفسكي:”حق الدولة في احتكار ممارسة العنف بمثابة سلاح، يمكن أن يستعين به الديكتاتوريون والحكام المستبدون والطغاة ضد شعوبهم أيضًا، فالدولة الحديثة لا تمتلك فقط وسائل مراقبة مواطنيها، والتحكم في كل خطوة يخطونها، وإنما يمكن للدولة _أيضًا_ أن تزج بالمواطنين في السجون أو تحبسهم في المعسكرات أو ترحلهم قسريًا خارج البلاد أو تسمح بقتلهم”.

ويكمل:”يعد احتكار الدولة لممارسة العنف بمثابة تدبير وقائي، يجمينا بعضنا من بعض ويحفظنا من أن نقع ضحايا لعنف شخصي، إلا أن ذلك الحق لا يحمينا من عنف أولئك، الذين يسطيرون على الأسلحة، فمن يضمن لنا، أن تستخدم الدولة وسائل القوة، التي تمتلكها في حفظ السلام فقط، وليس في نشر الإرهاب”.

عنف الأفراد

لا يبرىء بابروفسكي الأفراد من ممارسة العنف، فالدولة في النهاية ما هى إلا محصلة مجموع من الأفراد، كذلك لا يعتبر غياب سلطة الدولة، سوف ينهى العنف، مشيرًا إلى أن العنف والرغبات العدوانية واحدة من سمات البشرية المُحيرة، فرغم كل الدراسات الاجتماعية والنفسية عن أسباب العنف ودوافعه، إلا أن هناك ملايين من البشر مارسوا ومازالوا يمارسوا العنف دون أن تنطبق عليه أسباب ودوافع العنف التي أشارات إليها الدراسات.

“نحن لا نريد أن ندرك ان بعض الناس يعتدون على أشخاص عُزل ويقتلونهم فقط؛ لأن ذلك يسبب لهم السعادة، وأن الحروب عندما تندلع تتبع منطقًا لا توجهه عبارات العقيدة والقناعات أو حتى الحجج، ولا نريد أن ندرك أن بعض الناس يتحولون إلى وحوش شرسة وجامحة إذا ما سمح لهم بارتكاب ما هو ممنوع وقت السلم”.

يختتم بابروفسكي كتابه متسائلًا “أليس هناك أمل، بأن توجد نهاية للعنف؟، أليس احتكار الدولة لسلطة العنف يفترض أن يكون ضمانة للسلم؟” لا يقدم بابروفسكي إجابة واضحة ومحددة عن هذا السؤال، بقدر ما ينشغل بتفكيك مفهوم السلطة بصورة عامة، بوصفه أحد أبرز أدوات ترويض العنف أو تأجيجه.