في ذكرى غزو العراق.. 15 عامًا والذرائع الأمريكية تتجدد

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

 

15 عاما من الفوضى والدمار والإرهاب الذي لحق بالدولة العراقية منذ وطأت الأقدام الأمريكية بغداد في 20 مارس عام 2003؛ مخططات ومؤامرات تنوعت بين التقسيم تارة، وزرع الفتنة والطائفية تارة أخرى، ونهب الثروات وتدمير الدولة وتفتيت جيشها تارة ثالثة، فالإدارة الأمريكية لم تعجز يومًا عن إيجاد الذرائع الواهية لتثبيت أقدامها في العراق؛ بداية من ادعاءات وجود أسلحة دمار شامل، وصولًا لحربها الصورية المزعومة ضد تنظيم داعش الذي يعد في الأساس صناعة أمريكية.

بداية الغزو

الخطط والمؤامرات الأمريكية على العراق بدأت منذ هجمات 11 سبتمبر عام 2001، حيث اتهمت واشنطن حينها بغداد بالضلوع فيها من خلال ارتباطها بتنظيم القاعدة، وخاطب حينها وزير الدفاع الأمريكي آنذاك، دونالد رمسفيلد، معاونيه العسكريين قائلا: “فكروا فيما إذا كان مناسبًا ضرب صدام حسين في الوقت نفسه، وليس فقط أسامة بن لادن”، وكثفت القيادات العسكرية جهودها لإقناع قادة الكونجرس والرأي العام الأمريكي والعالمي بجدوى الغزو.

الخطط الأمريكية تكاملت مع نظيرتها البريطانية؛ بعدما نشرت حكومة المملكة المتحدة برئاسة، توني بلير، تقريرًا يحذر من “المخاطر التي يشكلها امتلاك العراق أسلحة دمار شامل”، في محاولة لكسب تأييد الشعب البريطاني والرأي العام العالمي لصالح الغزو الأمريكي البريطاني للعراق.

في 17 مارس عام 2003، أمهل الرئيس الأمريكي، جورج دبليو بوش، نظيره العراقي، صدام حسين، 48 ساعة للتنحي عن الحكم ومغادرة بغداد هو ونجليه، أو إعلان الحرب، ودعا بوش حينها الجيش العراقي إلى عدم القتال دفاعًا عن حكومة الرئيس صدام حسين، التي وصفها بأنها “تحتضر”.

في مساء 19 مارس عام 2003، ومن غرفة أنيقة داخل البيت الأبيض، خرج الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج بوش، ليعلن للعالم بدء الحرب على العراق، محاولًا إقناع الرأي العام العالمي بصحة بعض الادعاءات، مستخدمًا الحرب النفسية كسلاح للإقناع، حيث زعم حينها، أن نظام الرئيس العراقي الراحل، صدام حسين، يمتلك أسلحة دمار شامل، وأن بغداد حليفا لتنظيم القاعدة، الذي تبنى هجمات 11 سبتمبر على نيويورك وواشنطن.

منذ إلقاء الخطاب، بدأت فصول المعاناة في العراق والتي لاتزال تتجدد حتى الآن، حيث انطلقت الطائرات الأمريكية بضربات صاروخية وجوية استهدفت مقرات الرئاسة العراقية بـ40 صاروخ كروز من سفن وغواصات أمريكية، ليعقبها الهجوم البري الأمريكي البريطاني الذي انتهى باحتلال العاصمة العراقية بغداد في ظهيرة التاسع من أبريل للعام نفسه، أي بعد 19 يومًا من الحرب التي واجهت فيها القوات الغازية مقاومة من الجيش العراقي الذي كان يقاتل حينها بدون غطاء جوي.

دخل العراق منذ هذا التاريخ مرحلة جديدة، فبعد سقوط بغداد في أيدي القوات الغازية، توالى سقوط باقي المدن؛ فكانت كركوك في المرحلة الثانية بعد بغداد؛ حيث دخلتها القوات الأمريكية في 10 أبريل، فيما تم احتلال تكريت في 15 من الشهر نفسه، واللافت أن القوات المحتلة الأمريكية والبريطانية، سارعت إلى بسط سيطرتها على حقول النفط في الدولة، على رأسها حقل الرميلة وأم قصر والفاو.

وفي 26 يناير عام 2004، أعلن كبير مفتشي الأسلحة الأمريكية، ديفيد كاي، استقالته من منصبه، مؤكدًا أمام جلسة لمجلس الشيوخ الأمريكي، أن المعلومات التي تفيد بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل ليس لها أساس من الصحة، نافيًا وجود أي أسلحة دمار كما زعمت إدارة بوش، لتتبدد الذريعة الأمريكية حول غزو العراق.

الغزو في أرقام

تراوح عدد القوات الأمريكية العاملة على الأرض في العراق ما بين 100 و150 ألف عسكري، وفي التاسع عشر من أغسطس عام 2010، غادر آخر تشكيل أمريكي مقاتل العراق، تاركًا وراءه 50 ألف عنصر من العسكريين المشاركين بالعملية الانتقالية التي كانت تشهدها البلاد حينها، أما القوات البريطانية، فوصل عددها خلال فترة الغزو إلى 46 ألف عسكري، لينخفض العدد بعدها تدريجيا عامًا بعد الآخر، حيث وصل العدد في شهر مايو عام 2009 إلى 4 آلاف و100 عسكري، عندما سحبت بريطانيا رسميًا قواتها من العراق.

أما الخسائر البشرية، فوفقًا لآخر أرقام خرجت من وزارة الدفاع الأمريكية، فقدت الولايات المتحدة 4 آلاف و487 عنصرًا في العراق منذ الغزو، بينما بلغ عدد الذين أُصيبوا جراء الحرب 32 ألف شخص، فيما فقدت بريطانيا 179 من عسكرييها، بينما قُتل 139 عنصرًا من قوات الدول الأخرى المشاركة بالتحالف الدولي، وفيما يتعلق بعدد القتلى العراقيين، أكدت “هيئة إحصاء القتلى العراقيين”، أن عدد الذين سقطوا منذ بداية الغزو وحتى شهر يوليو عام 2010، يتراوح ما بين 97 ألفا و461 شخصًا إلى 106 آلاف و348 شخصًا، وأكدت الهيئة أن الشهر الذي بدأ فيه الغزو أي مارس عام 2003، أكثر الفترات دموية، حيث قضى 3 آلاف و977 مواطنًا عراقيًا فيه فقط.

ومن ناحية نفقات الحرب؛ قدرت وحدة البحوث في الكونجرس الأمريكي، أن تكون الولايات المتحدة أنفقت مع نهاية العام المالي 2011 مبلغًا قدره 802 مليار دولار أمريكي على تمويل الحرب، وجرى بالفعل تخصيص 747.6 مليار دولار منها، فيما أكدت الأرقام الصادرة عن مقر رئاسة الحكومة البريطانية في شهر يونيو من عام 2010، أن تكلفة المشاركة البريطانية في حرب العراق بلغت 14.32 مليار دولار، ذهب معظمها لتمويل العمليات العسكرية.

انسحاب أمريكا

وفي 15 ديسمبر عام 2011، أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك، باراك أوباما، انتهاء الحرب في العراق، وفي 18 من الشهر نفسه، أعلنت الولايات المتحدة أن جيشها أكمل انسحابه من العراق، تطبيقًا للاتفاقية الأمنية الموقعة مع حكومة بغداد عام 2008، وبعدما رفضت الأخيرة منح آلاف الجنود الأمريكيين حصانة قانونية، فيما استبقت بريطانيا الموعد وسحبت قواتها من جنوبي العراق مطلع أبريل عام 2009، وأكملت الانسحاب بشكل نهائي في 22 مايو عام 2011.

الانسحاب الأمريكي من العراق كان صوريًا أمام المجتمع الدولي فقط، حيث انسحبت واشنطن عسكريًا بشكل جزئي وأبقت على 9 من قواعدها العسكرية وحوالي 50 ألف عنصر من قواتها، فيما لم تنسحب سياسيًا مطلقًا من العراق، فقد تركت أذرعها العنصرية ورؤوس أفاعيها التي تمثلت في الطائفية وانعدام الأمن، فعاشت العراق ما يقرب من أربعة أعوام تمزقها الفتنة الطائفية التي زرعتها أمريكا قبل انسحابها، عن طريق إيقاظ الخلافات المذهبية والعرقية كمقدمة لتفتيت الدولة إلى دويلات، لكل منها عنوانها الطائفي.

محاولات الأمريكان زرع بذور الفتنة الطائفية في العراق لم تكن وليدة الاحتلال أو ما بعده، حيث شرعوا في المهمة قبل الاحتلال بسنوات عديدة؛ من خلال سعيهم لإصدار قرار من مجلس الأمن الدولي، يقضي بفرض حظر للطيران على مناطق شمال العراق، بذريعة حماية الأكراد من اضطهاد النظام العراقي السابق، الأمر الذي دفع النظام لسحب قواته من مناطق الشمال العراق، لتتحول تلك المناطق إلى وكر للميليشيات المسلحة والمنظمات الاستخباراتية المُعادية للدولة، فكان إقليم كردستان حينها ملاذًا آمنًا للنفوذ الصهيوأمريكي.

فراغ السلطة وانهيار بنيوية الجيش العراقي على إثر قرار الحاكم المدني للعراق حينها، بول بريمر، الذي أمر بحل جميع المؤسسات الأمنية من جيش وشرطة وأجهزة مخابرات واستخبارات، لتشهد البنية التحتية للجيش انهيارًا كاملًا، فدمرت المعسكرات ونهبت كل محتوياتها من أسلحة ومعدات وعتاد، ليسدل الستار على تاريخ الجيش العراقي، ويظل الأثر الأكبر في تكون الميليشيات وانطلاق الصراعات الطائفية والحرب الأهلية بين السنة والشيعة والأكراد.

ولادة “داعش”

لاشك أن الغزو الأمريكي للعراق كان السبب الرئيسي في نشأة تنظيم “داعش” الإرهابي، الذي زرعته واشنطن في الأراضي العراقية قبل انسحابها ليكون عينها في المنطقة وذراعها الباطش والناهب لثروات الدول العربية، وحليفها الذي يعمل من أجل تحقيق مصالحها في الدولة العراقية، فالاحتلال الأمريكي ما لبث أن خرج من الباب العراقي في عام 2011، ليطل برأسه مجددًا من النافذة في 10 يونيو عام 2014 بذريعة محاربة “داعش”، بعدما أعلن التنظيم الإرهابي سيطرته على مدينة الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية من حيث عدد السكان، ليستبيح بعدها ثلث الأراضي العراقية، ما جعل الخطر يحدق بالعاصمة بغداد.

من هنا وجدت واشنطن ضالتها، فسارعت إلى استغلال الفرصة التي اعتبرتها الأنسب للعودة إلى الساحة العراقية ونهب ما تبقى من ثرواتها، وتجددت الذريعة المرة لتكون “تقديم الاستشارات والتدريبات للجيش العراق” التي كانت سببًا في انهياره بالأساس، فدعت الولايات المتحدة إلى تشكيل قوات “التحالف الدولي لمكافحة داعش في سوريا والعراق”، وخرج الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، في 7 أغسطس عام 2014، ليعلن أنه “من الضروري تدخل القوات الأمريكية”، متذرعًا بأن العملية “تهدف لحماية المواطنين الأمريكيين في المنطقة، إضافة إلى الأقلية الإيزيدية، إلى جانب وقف تقدم المسلحين إلى عاصمة كردستان العراق”، وفي 8 أغسطس انطلقت المقاتلات الأمريكية مستهدفة مستودع أسلحة تابع لتنظيم داعش قرب العاصمة الكردستانية “أربيل”.

خلال الوجود الأمريكي الجديد في العراق، برز الفكر الانفصالي مجددًا بشكل قوي، كشكل من أشكال شرذمة الدولة وتفتيتها إلى دويلات، حيث أشعل إقليم كردستان العراق أزمة سياسية مع الحكومة الاتحادية المركزية في بغداد من خلال تنظيم استفتاء رسمي على استقلال الإقليم في 25 سبتمبر عام 2017، ليواجه بمعارضة العديد من الدول الأوروبية والعربية وعلى رأسها تركيا وإيران وروسيا، وأيدته الولايات المتحدة الأمريكية سرًا والكيان الإسرائيلي علنًا، لكن حكومة حيدر العبادي، تمكنت من استخدام أوراق الضغط بشكل مثالي على الإقليم، الأمر الذي دفع الأخير إلى التراجع خطوات إلى الوراء في ظل ضغوط دولية وعقوبات عراقية داخلية.

مخطط إحياء النزعة الانفصالية، تزامن مع اتجاه المعسكر الصهيوأمريكي إلى اللعب مجددًا على الطائفية وإشعال الفتنة بين مختلف العرقيات، حيث حاول اتهام فصائل “الحشد الشعبي” التي تعتبر مكونا رئيسيا من مكونات المجتمع العراقي، وصاحبة إنجازات طويلة في معركة الدولة العراقية ضد الإرهاب، بارتكاب جرائم ضد المكون السني في مختلف المدن العراقية، الاتهامات التي حاولت أمريكا وحلفاءها من خلالها دق إسفين بين المكون السني والشيعي، لكن الحكومة والقيادات العراقية تصدت له، وأسدل مؤخرًا العبادي الستار على الملف معلنًا دمج فصائل الحشد مع القوات المسلحة العراقية، لتكون جزءًا لا يتجزأ من الدولة.

بعد دحر “داعش”.. أمريكا باقية

رغم إعلان رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، في ديسمبر عام 2017، دحر تنظيم داعش من كامل الأراضي العراقية، إلا أن أمريكا أكدت أنها باقية في بلاد الفرات، بذريعة “تواجد عدد كبير من مسلحي داعش، بدأوا يحتشدون ويتدربون عند الحدود العراقية السورية ويستعدون لشن هجمات جديدة على الأراضي العراقية”، وهي الذريعة التي نفتها الحكومة العراقية، مؤكدة أن حدودها مع سوريا مؤمنة تمامًا من قبل قوات الحشد الشعبي والبيشمركة، داعية القوات الأجنبية إلى الخروج فورًا من العراق بعد انتهاء مهمتها المزعومة.

المثير للدهشة والاستياء، أن الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت العابث الرئيسي في مستقبل العراق، والتي دفعته إلى احتلال المرتبة الـ166 من مجموع 176 في مؤشر الفساد، أي ضمن الدول العشر الأكثر فسادًا في العالم، حسب مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية العام الماضي، ترفض حاليًا المشاركة في إعادة إعمار العراق الذي يبلغ تكلُفته المادية حوالي مائة مليار دولار، حسب تقديرات رئيس الوزراء العراقي، فخلال مؤتمر المانحين الدوليين الذي عُقد في الكويت خلال شهر فبراير الماضي، أكد وزير الخارجية الأمريكي حينها، ريكس تيلرسون، أن “بلاده لن تساهم بدولار واحد في جهود إعادة الإعمار هذه”، الأمر الذي شكّل صدمه لدى العديد من السياسيين والقادة العراقيين.