عودة إلى تيران وصنافير

عقب صدور حكم المحكمة الدستورية الصادر مطلع الأسبوع الجاري، الذي قضى بعدم الاعتداد بجميع الأحكام المتناقضة التي صدرت في قضية التنازل عن جزيرتي “تيران وصنافير” إلى المملكة السعودية، قال رئيس مجلس النواب الدكتور علي عبد العال، أن: “الدستورية، سطرت حكما تاريخيا أمس بشأن اتفاقية تيران وصنافير، وأثبتت صحة موقف البرلمان في مناقشتها”، مطالبا من “اتهموا البرلمان بالباطل أن يخرجوا ويعتذروا ويكون لديهم الشجاعة الأدبية فى ذلك”.

حديث رجل القانون من على منصة المؤسسة النيايبة يوحي بأن المحكمة الدستورية فصلت في الموضوع وقضت بتبعية تيران وصنافير إلى السعودية، وهو ما لم يحدث فالمحكمة لم تقترب أصلا من الموضوع، وأقرت في حيثيات الحكم بأن الطريق الوحيد لاستمرار التقاضي حول اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية هو المحكمة نفسها، ليس على مستوى إجراءات إبرام الاتفاقية والتصديق عليها ونشرها فقط بل على مستوى موضوع الاتفاقية ومدى اتفاق بنودها مع الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 151 من الدستور، والتي تحيل ما يتعلق بالسيادة للاستفتاء، وتمنع الموافقة بأية صورة على النزول عن شيء من إقليم الدولة.

المحكمة أكدت في حيثيات حكمها أنها ستكون الساحة النهائية للتقاضي حول موضوع الاتفاقية، باعتبارها المختصة وحدها دون غيرها من المحاكم بالرقابة على المعاهدة بعد إصدارها ونشرها ودخولها حيز النفاذ، وفقا لتقرير زميلنا محمد بصل المحرر القضائي المنشور بجريدة الشروق الأثنين الماضي.

المحكمة شرحت ذلك بأنه “إذا نُشرت المعاهدة وفقًا للأوضاع المقررة فى الدستور، وأصبح لها قوة القانون، جاز مراقبتها قضائيًا من وجهين؛ الأول: رقابة استيفائها للشروط الشكلية المقررة فـي الدستور، والثانى: الرقابة الموضوعية للمعاهدة، وهى رقابة تجد موجباتها فى نص الفقرة الأخيرة من المادة (151) من الدستور، التى حظرت مخالفة المعاهدة لأحكام الدستور كافة”.

واستطردت المحكمة شارحة بأن “هذه الرقابة القضائية على المعاهدات، من وجهيها (الشكلي والموضوعي) هى رقابة دستورية وليست رقابة مشروعية، فهي منوطة استئثاراً بالمحكمة الدستورية العليا، لا تشاركها فيها جهة قضائية أخرى أياً كانت”.
ويعني ذلك أن جميع الدعاوى التي أقامها المحامون ضد الاتفاقية بعد إصدارها ونشرها، والموجودة حالياً بمحكمة القضاء الإداري، لا يجوز أن تفصل فيها محكمة القضاء الإداري، بل يجب أن تحال هذه الدعاوى إلى المحكمة الدستورية ليصبح ممكناً المجادلة قانونياً في توافر الشروط الموضوعية والشكلية للاتفاقية.

ما سبق يجزم بأن المحكمة لم تقر في حكمها بسعودية الجزيرتين، الحكم كان في الجزء الشكلي للتقاضي حول الاتفاقية والتي أكدت “الدستورية” أنه حق أصيل لها دون غيرها من المحاكم، ولا ينفي حكم الدستورية حيثيات حكم القضاء الإدراي بدرجتيه، ولا يقطع أيضا أن السلطة ومؤسساتها تنازلوا عن جزء عزيز من أراضي الوطن دفعنا ثمنه من دماء جنودنا، وأن برلمان عبد العال ساهم في شرعنة التنازل، فلم يعطي حتى فرصة للمعترضين على الاتفاقية من نوابه لشرح وجهة نظرهم، وأن جلسة التصويت على تلك الاتفاقية أديرت على طريقة “موافقون.. موافقون”، حتى أن رئيس مجلس كما نقلت عدسات الكاميرات لم ينظر إلى القاعة المستديرة التي ضجت بالصراخ من رافضي الاتفاقية.

ستظل تيران وصنافير باقية في ضمير الوطن، وسيسطر التاريخ يوما ما جرى، وستتناقل الأجيال القادمة قصص من تنازلوا وباعوا وفرطوا ومن قاوم وتمسك بحق الوطن، “وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”.