روسيا وملف التسلح.. كيف تحول الردع إلى تهديد؟

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

لم يكن كشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن النمط الجديد من الأسلحة الذي تملكه روسيا مفاجئا، بقدر ما حمل توقيته وتفاصيله وسياقه المباشر دلالات تشير إلى احتداد التغيرات في موازين القوى العالمية، وما تتراكم إليه تلك التغيرات ببطء، ليظهر شكل مختلف للعالم، تكون عبر سنوات من التنافس والصراع في ميادين الاقتصاد والإنتاج والسياسة والجغرافيا السياسية والبحث العلمي.

حملت رسالة بوتين ردا عقلانيا غير جامح على الاستراتيجية الجديدة التي أعلنتها مؤسسة الحرب الأمريكية، البنتاجون، منذ أكثر من شهر، والتي حددت فيها روسيا والصين كأطراف منافسة ذات خصومة طويلة المدى مع الولايات المتحدة، ودول “متمردة” صاعدة ومارقة، وفقا لتعبير النص، معطية الأولوية، صراحة، لمواجهتهما وليس لمواجهة الإرهاب، من خلال ما عبر عنه النص: إثارة وبلبلة البيئة المحيطة بالخصم بما يضغط عليه، ويدفعه إلى اتخاذ مواقف وخطوات يمكن العمل من خلالها هي نفسها، باستغلالها، للخصم منه وإعاقة خياراته ودفعه إلى مواقف أكثر ضغطا وذات شروط معاكسة له”.

عكست الاستراتيجية واقعا قائما بالفعل في آسيا وشرق أوروبا وقطاع (بحر الصين الجنوبي) من المحيط الهادي الباسفيكي، إذ تعمل الولايات المتحدة على الخصم من النفوذ الروسي والصيني، بكل السبل والمسارات وعلى قمتها المسار العسكري، في اليابان وكوريا الجنوبية وأفغانستان ويوغوسلافيا وأوكرانيا وجورجيا وقيرغيزيا وبولندا.

حرب باردة جديدة؟

لا يمكن حصر الأمر في حرب باردة جديدة بين روسيا والولايات المتحدة، وإن حمل الصراع الحالي بعض سمات ذلك، لأن روسيا والصين تقوضان النظام العالمي من داخله وبالإفادة منه والاعتماد على بعض خصائصه، وهذا ما عبرت عنه، بالنص استراتيجية البنتاجون المعلنة حديثا، وقد صدقَت؛ فالقوتان لا تعملان “من خارج” النظام العالمي أي ببناء نظام ثان موازٍ ومفارق له، على نمط التطبيقات الاقتصاديّة للماركسية، بل اندمجتا في منظومة العولمة الرأسمالية بالفعل، وانطلقتا منها ووفقا لشروطها نحو حلحلة القوى المهيمنة عليها واستغلال تناقضاتها، والإفادة من استغراقها في الخدمية والمضاربات المالية والاقتصاد الرمزي الربحي المحض، في ظل “المنافسة الحرة” الظاهرية التي هي من سمات تلك المنظومة، وبالعمل بالغطاء الدولاري نفسه وباحتياطات الطاقة والنفط؛ وهذا، إجمالا، ملمح أكثر خطورة من نمط الحرب الباردة، إذ يفتح أفقا لتحولات في طبيعة النظام الاقتصادي العالمي “الموحد” نفسه، وقد يكفل، إذا ما تراكمت له شروط بعينها – يحضر العديد منها حاليا، نقل مركز الاقتصاد في العالم من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، وليست التناقضات الاقتصادية الحالية بين الأخيرة والولايات المتحدة سوى انعكاس لهذا المسار، مع كون الولايات المتحدة الدولة الأكثر مديونية في العالم، ويبلغ دينها 98% من ناتجها المحلي الإجمالي.

من ناحية أخرى، عبرت كلمات بوتين خلال إعلانه عن الأسلحة الجديدة، حين وصفها بـ”غير المكلفة”، عن استيعاب روسي لأحد دروس الحرب الباردة الطويلة، وهو عدم الاستغراق في الإنفاق على التسلّح بما يرهق القدرات المالية للدولة ويقوضها على المدى الطويل، ومن هنا انحصرت الإمكانات العسكرية المعروضة، يومها، في بند المنظومات الصاروخية التي اتجهت روسيا للتركيز على تطويرها وصناعتها، بصفتها مجالا نوعيا يمكن التقدم فيه اعتمادا على البحث العلمي، الفيزيائي والهندسي، عوضا عن التكنولوجيا التقليدية الفائقة هائلة التكلفة، وعن التصنيع الضخم – كما الذي تراجعت فيه روسيا، بعد أن فقدت 41% من ناتجها المحلّي الإجمالي و39% من قدراتها الصناعية و46% من قوتها العسكرية بانهيار الاتحاد السوفيتي، وهو ما أشار إليه بوتين في خطابه في سياق تناول الانسحاب الأمريكي من معاهدة الدفاع المضادة للصواريخ (معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية)، عام 2002، وسط مناشدات روسية بالحفاظ على المعاهدة الي وُقعت عام 1972.

تحويل التهديد إلى فرصة

حينها، ذهبت مناشدات روسيا أدراج الرياح ولم تلتفت لها إدارة بوش الابن، التي انسحبت من المعاهدة بهدف إفساح المجال لإنشاء الدرع الصاروخي الأمريكي الهجومي في شرق أوروبا، لتقويض الأمن القومي الروسي وكبح إعادة بناء نفوذ روسيا في مجالها الحيوي الطبيعي، في فترة حساسة من التاريخ الروسي، حملت عنوان إعادة البناء الكامل لدولة منهارة البنية، رغم امتلاكها لقدرات عسكرية نووية، لم تجرؤ على التلويح بها ردا على التهديد الأمريكي المباشر، في ظل الضعف البالغ الذي تركته إدارة يلتسن لعهد بوتين، الذي أعلن فيما بعد أن إطلاق يد الولايات المتحدة في العالم وقبلها السماح بانهيار الاتحاد السوفيتي بالشكل الذي تم به، كانا خطأين استراتيجيين بالغي الخطورة، انعكسا بالسلب على الأمن العالمي، مع التداعيات الكارثية لحدوثهما، التي شملت غزو العراق وإسقاط ليبيا ومشروع إسقاط الدولة السورية.

من هنا كان سعي روسيا، القديم والمثمر، إلى تغيير وتهيئة “الفلسفة القتالية” للمؤسسة العسكرية الروسية، إذ أدركت القيادة السياسية أنه لا يمكن التنافس مع الولايات المتحدة والقوى الغربية الكبرى في مجال التسلّح على نفس أرضيتهم، القائمة بموارد مالية عملاقة ومنظومة صناعية سبق تطورها روسيا بعشرين عاما، وتبادل بيني للخبرات وشبكة تقنيات مشتركة؛ خلقوا جميعا النمط الغربي التقليدي – أي غير النووي – للتسلّح الاستراتيجي، والمعتمد بشكل رئيسي على قوة الطيران وحاملات الطائرات التي يمكنها بلوغ كافة أرجاء العالم عبر البحار، من هنا استندت روسيا على ما تمتلكه بالفعل، في ميدان التطبيقات العسكرية للفيزياء والهندسة ومجال صناعة الصواريخ، دون الدخول في منافسة في مضمار آخر يستنزفها دون إنجاز، وعملت على تطوير منظومتها الباليستية التي تحقق، مع تطويرها وتطعيمها بالمنجز العلمي الروسي الخالص، كافة الأهداف المطلوبة للردع والهجوم والدفاع، وصولا إلى إعلان بوتين عن صواريخ “لا تملك مثلها أي دولة في العالم”، وأخرى ذات قدرة مطلقة على تفادي إسقاطها واختراق كل منظومات الدفاع الغربية، وثالثة ذات قدرة تدميرية هائلة وغير مسبوقة مع دقّة إصابة محكمة ومجربة.

وكالحالة الإيرانية، شكل واقع العقوبات الاقتصادية والضغط السياسي على روسيا منذ 2014 دافعا عمليا لتطور روسي مطرد فاق المعدلات الطبيعية لما قبل العقوبات، ودفعها دفعا إلى خيارات ربما لم تكن لتذهب إليها لولا الحصار وشُح الموارد، وكما عكفت إيران على تعويض حظر التسليح المفروض عليها بالبحث والتطوير في مجال الصواريخ، طبقت روسيا المنهج نفسه، مع الاختلافات، ووجهت قدراتها التقنية والصناعية إلى حيث يمكن تعظيم الاستفادة القصوى منها.