دع سمائي فسمائي.. “مليانة يُفط”!

إذا حاولت أن ترنو ببصرك إلي السماء لأكثر من 4 أمتار فلن تستطع رؤية أي شيء، فالسماء المصرية بحسب نشرة الانتخابات الرئاسية ملبدة باليافطات التي تهنئ وتدعم وتؤيد و”تؤبد” مدة حكم الرئيس، وهذا يعزز قاعدة أن شعوبنا الوفية لا تنسي الفضل والمعروف أبداً بل ترده لأصحابه بأحسن منه، وقطعاً لا توجد هدية مناسبة وملائمة للموقف والمقام سوي.. “كرسي الرئاسة”.

لا يُعبر هذا الغزو المفاجئ لملايين اليافظات عن حالة نفاق وتزلف وإذعان للسلطة كما يتصور البعض، وإنما يمكن اعتباره تقليداً وطقساً مصرياً صميماً اعتاد الجميع ممارسته مع كل موسم انتخابي، وهو سلوك تلقائي جداً لا يحتاج إلي أي تبريرات أو تفسيرات أو مداولات، فهل مطلوباً من الشعوب أن تقدم أسباباً للتعبير عن حبها للرئيس وإثبات إخلاصها وولاءها له؟.. كلا البته ثم كلا البته.

المنافسة الشريفة بين المصريين للتدليل على هذا الحب العفيف والمنزه من أي غرض خلقت عند أغلبهم حالة ابتكار وإبداع نادراً ما تظهر بهذا التدفق والكثافة خلال تلك الفترة الوجيزة، ولكن يبدو أن الحب يصنع المعجزات، فقد تباروا فيما بينهم بكتابة كلمات المحبة المجردة والمُعبرة عن حالة الذوبان والانصهار الكامل بين المواطن والحاكم، فلا خير فيكم يا أمة المصريين إن جاء وقت الانتخابات الرئاسية وقد نسيتم وغفلتهم عن عربون المحبة الدائم.. “يافطة التأييد”.

سيقول أحدهم بنبرة استهزاء وقد بدا أكثرهم علماً ودهاءً وولاءً: “طب والرئيس ماله يعني؟، ولا مطلوب منه كمان ينزل يشيل اليُفط بنفسه”!.. هو مُحق وصاحب حُجة قوية لو كان ممن عاشوا في الخارج لفترات طويلة أو قرأ عن مصر في الكتب فقط أو ما زال يدرس لإتمام الشهادة الإعدادية، فلا يجوز نحن المصريون العظام ممن تربوا وعاشوا علي هذه الأرض الطاهرة أن نردد هذا الكلام الخالي من رائحة أم الدنيا، ولهذا الأخ الكريم المُحنك ذو الحس الوطني المُرهف أسأله: هل تعرف تلك الحكمة المصرية الخالصة التي تقول: “شخلل عشان تعدي يا أفندينا؟!”.

إن كنت تعرف هذه المقولة وتفهمها وتهضمها جيداً فبإمكانك استكمال القراءة علي الرحب والسعة، أما إذا فشلت وعجزت وضربت أخماساً في أسداساً حينها سيكون من الأفضل أن تنزوي جانباً لتفسح المجال للآخرين حتي يواصلوا القراءة، فمن كان منكم بلا عقل أو بصيرة أو مُصرا علي إنكار الواقع والحقائق إذاً لا شيء سيُقنعه أو يُزحزح رأيه حتي لو وضعوا له الشمس في يمينه والقمر في يساره، وسيظل مستمسكاً بديانته ودستوره وأسطورته بأن “الشعوب دائماً علي دين ملوكهم”.

لا داع لأُذكرك بأن المشهد الراهن بكل تفاصيله ويافطاته لا يمُت لعملية تداول السلطة بأي صلة، فالهدف الذي خُلقت من أجله الانتخابات بعيد تماماً عما نفعله وندافع عنه باستماتة، نحن فقط ندعي أن لدينا انتخابات وصندوق ولجان ومنافسة، وسندعي بعدها أننا ذهبنا للاقتراع بحرية، وسندعي أننا تحملنا الطابور بصبر، وسندعي أننا ننتظر النتائج بقلق وترقب، وسندعي أننا تفاجئنا بما أسفر عنه هذا “العُرس الديمقراطي، ولكن الشيء الوحيد الذي نثق فيه ولن ندعيه أبداً هو مدي سعادتنا وفرحتنا بفوز الرئيس عن كل استحقاق وجدارة.

ما أشبه هذا اليوم المليء بملايين اليافطات والكلمات التي تُمجد الرئيس وتحثه علي البقاء خالداً في منصبه إلي يوم القيامة، بالبارحة التي كانت تُعلق فيها نفس اليافطات والكلمات بكل ميدان وشارع وحارة ولكن مُزينة بصورة “أبو علاء”، ومصحوبة بدعوات خالصة بأن يبقي ويستمر ويتوغل في كرسيه الوثير وألا يرحل أبداً، فنحن الزائلون حتماً أما الرئيس فلا شيء يقهره أو يُجبره علي الغياب رغماً عنه.

سيبدو من العبث أن تصف ما نعيشه ونشاهده تحت سماء المحروسة بكلمات جادة وحازمة وغاضبة، فالجد في وقت الهزل يصبح هزلاُ، إنما هو الوقت المناسب والملائم والمثالي لأن تملأ صدرك بالضحكات والقهقهات والكركرات، ولعلها فرصة لن تُعوض للتنكيت و”القلش”، وانطلاقاً من هذا لا يسعني إلا أن أختم هذا الحديث المُمل والمكرر عن “غزو اليافطات” بمقطع غنائي للست أم كلثوم تشدوه في حب الانتخابات فتقول بعذوبة وانسجام: “واليافطة بتجري ورا اليافطة عايزه تطولها”….!