تأملات فى مشكلتى القذارة والعفاشة

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

أكثر شىء يشد انتباه المصريين عندما يسافروا إلى الخارج هو النظافة، نظافة الشوارع، نظافة وسائل المواصلات، نظافة المبانى وجمالها، وهذا يرجع بالتأكيد لأننا نفتقد النظافة والجمال فى شوارعنا وطرقنا وحاراتنا وقرانا ومدننا، نفتقدهما فى كل شىء فى حياتنا.

 

يعتقد البعض أن مشكلة القذارة، وهذا هو المسمى الصحيح لتلك المشكلة وليس مشكلة النظافة، هى نتيجة لتقصير الحكومة فحسب. بدون شك أن جانب كبير من هذه المشكلة هو نتيجة لإهمال المسئولين الحكوميين وفساد موظفى المحليات، ولكن الواقع يقول إنها مشكلة اجتماعية وثقافية وتربوية فى الأساس. والتاريخ يقول إنها مشكلة متجذرة فى الشعب المصرى، لدرجة أن المؤرخ المصرى عبد الرحمن الجبرتى، الذى عاصر الحملة الفرنسية ونحو عشرين عاما من حكم محمد على، قد كتب عنها فى كتابه “عجائب الآثار فى التراجم والأخبار”، والمعروف اختصارا بتاريخ الجبرتى. وحتى فى العهد الملكى الذى نطلق عليه الآن “الزمن الجميل”، كانت مشكلة القذارة موجودة وملحوظة، وللتدليل على ذلك سأكتفى بما كتبه المفكر الكبير أحمد أمين فى سيرته الذاتية “حياتى”، عندما زار تركيا فى عام 1928 وقارن بينها وبين مصر فى هذا الشأن، حيث كتب يقول عن مدينة أسطنبول: “وقد ركبنا القطارات والترام وأكلنا فى مطاعم المدينة على اختلاف أنواعها من الدرجة الأولى إلى الرابعة، وجلسنا فى مقاهى الصناع والحمالين فما وجدنا فى كل ذلك إلا نظافة يحمدون عليها، وأما هدوءهم فقد أمضينا أربعين يوما لم نجد فيها نزاعا فى الشارع أو خصاما فى ترام، وتدخل المقهى مملوءا بالناس، فإذا أغمضت عينيك حسبت أن ليس به أحد، فهم (الأتراك) فى الحق كما يقولون فى هذين الأمرين إنجليز الشرق، ولعل ما لفت نظرى إلى هذين الخلقين (النظافة والهدوء) سوؤهما فى مصر، فعنايتنا بالنظافة ضعيفة، وإذا رتبت الأمم فى النظافة لم نجد أنفسنا فى أعلى القائمة ولا أوسطها، ويفوقنا فيها من الشرقيين اللبنانيون والسوريون، وكذلك الشأن فى الهدوء، فبلدنا حرمت هذا الهدوء فى القهوة وفى الشارع وفى الترام وفى كل مجتمع حتى فى البيت”.

 

أظن أن مشكلة القذارة فى مصر هى نتاج عدة عيوب فى الشخصية المصرية. العيب الأول: الكسل والاستسهال، فتجد أن سلة المهملات تكون على مسافة بضعة أمتار من أحدنا، ويكسل أن يقطع هذه المسافة البسيطة ويلقى بعلبة العصير الفارغة فى الشارع. العيب الثانى: غياب الضمير، تجد سائق عربة نقل محملة بمخلفات البناء، وقد تلقى مبلغا كبيرا عن نقل الحمولة، بدلا من أن يلقى بها فى الأماكن المخصصة لهذا الغرض، يرمى بها فى الطريق الدائرى أو فى أقرب مكان. العيب الثالث عدم احترام القوانين، فهناك بالفعل قانون يجرم رمى المخلفات فى الطريق العام، لكن لا أحد يلتزم بالقانون فى مصر إلا المغفلون، وهذا يقودنا إلى العيب الرابع: المصرى “يخاف ما يختشيش”، فى الخارج تجد المصرى يحافظ على نظافة المكان الذى يعمل ويعيش فيه، فهل تغير سلوكه فى المسافة بين مصر والبلد التى سافر إليها، لا، إنما المصرى عندما يجد أن هناك قانونا رادعا سوف يطبق عليه، يلتزم فورا وتلقائيا، أما إذا لم يجد فلا يلتزم بأى شىء. العيب الخامس: التدين الشكلى، المصرى يحصر الدين فى العبادات والطقوس، ولا يجد أدنى تناقض فى أن يصلى الفروض بالمسجد فى أوقاتها، ثم يخرج من المسجد ليلقى بالقمامة فى الشارع. العيب السادس، والذى أظن أنه أخطر عيوب الشخصية المصرية: ضعف الإنتماء، فبماذا تفسر أن نكون حريصين على نظافة بيوتنا ومكاتبنا ومتاجرنا، ولا نكون على نفس الدرجة من الحرص خارجها، إنه ضعف الإنتماء، لا نشعر أن البلد وطنا نعيش وننتمى إليه، وإنما مجرد مكانا نسكن ونتحرك فيه فحسب. تلك بعض عيوبنا التى أدت إلى مشكلة القذارة، وفى الواقع مشكلة القذارة هى نتاج كل عيوبنا الاجتماعية.

 

مشكلة أخرى قريبة الصلة بمشكلة القذارة، يمكن أن نسميها مشكلة العفاشة، وعفوا فى استعمال هذا اللفظ، فلم أجد بديلا أفضل منه، والعفاشة هى مزيج من القبح والفوضى والهرجلة واللخبطة والعشوائية، وفى المعجم العفاشة من الناس هم من لا خير فيهم.

 

دخلت منذ فترة مكتبة الهيئة العامة للكتاب بشارع شريف، كان قد جرى تجديدها منذ حوالى عام ولم أرتادها منذ هذا الوقت، توقعت أن أجد المكتبة بعد التجديد نظيفة ومرتبة، والكتب موضوعة فى أماكنها بنظام، وفوجئت أننى دخلت مخزنا للكتب وليس مكتبة، ومخزنا سيئا وكله كراكيب. وجدت صناديق الكتب فى كل مكان، ولفات الكتب مرصوصة على الأرض، والأتربة تكسو جميع الأرفف. سألت الموظف مندهشا: هل تقومون بالجرد السنوى، أم أن هذا هو الوضع العادى؟ رد قائلا: “مافيش جرد”، ولم يفهم سببا لسؤالى ولا وجد مبررا لدهشتى. خرجت من المكتبة ودخلت مكتبة أخرى قريبة فى نفس الشارع، ورغم إنها كانت مكتبة خاصة وليست حكومية، لكنى وجدتها على نفس الحال. خرجت ومشيت فى شوارع وسط البلد، أتأمل المبانى التى لا تزال تحمل القليل من عبق الزمن الجميل، وشاهدت واجهات المحال أسفلها والتى تشكل مع بعضها سلسلة ممتدة من القبح الفريد من نوعه، قبحا من الزجاج والرخام والحديد والألومنيوم وكل الخامات الحديثة، سألت نفسى: ما سر هذه العفاشة؟ لماذا كل شىء فى حياتنا أصبح مصابا بهذه العفاشة؟ تدخل أى مصلحة حكومية تجد هذه العفاشة، تدخل أى مدرسة، كلية، مستشفى، محكمة، قسم شرطة، تصدمك نفس العفاشة، والكارثة الأكبر أن الناس قد اعتادت هذه العفاشة ولم تعد تصدمها أو تشمئز منها.

 

قد يفسر البعض سبب هذه العفاشة بالفقر، لكن هذا غير صحيح، لأن هناك شعوبا فقيرة جدا ومع ذلك لا تجد عندها هذا الداء الخبيث، وقد يفسر البعض هذه العفاشة بالجهل، لكن الواقع يقول إن الكثير من المتعلمين يتسمون بنفس الحالة من العفاشة. أظن أن العفاشة، مثلها مثل مشكلة القذارة، ليست وليدة اليوم ولا الأمس، أظنها مغروسة فينا منذ زمن بعيد، وأظنها انعكاسا للعفاشة فى عقولنا وقلوبنا، وعندما ننجح فى الارتقاء بأفكارنا وعواطفنا ستختفى العفاشة من حياتنا.

 

لا أستطيع أن أختم هذا المقال دون الحديث بشىء من التفصيل عن العيب السادس من عيوب الشخصية المصرية، والذى ذكرت أننى اعتبره أخطر تلك العيوب، وهو ضعف الإنتماء. فدائما ما كنت أسأل نفسى، ما سبب ظاهرة ضعف الإنتماء فى مجتمعنا، خاصة فى جيل الشباب؟ ما سبب عدم إحساس المواطن البسيط أن وسيلة المواصلات العامة التى يستخدمها يوميا ويمزق مقاعدها هى ملكه؟ ما سبب عدم شعور هذا المواطن أن الشارع الذى يسكن فيه ويرمى بالقمامة على ناصيته هو امتداد لبيته؟ حتى وجدت الإجابة فى عبارة للمفكر الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيرى يقول فيها: “عندما يدرك الناس أن الدولة تدار لحساب نخبة وليس لحساب أمة، يصبح الفرد غير قادر على التضحية من أجل الوطن وينصرف ليبحث عن مصلحته الشخصية”، والتضحية من أجل الوطن، من وجهة نظرى، هى قمة الإنتماء للوطن.

فعندما يشعر المواطن عن يقين أن الدولة تضعه على قمة اهتماماتها، وأن كل سياساتها موجهة فى اﻷساس لخدمته ولتحقيق مصالحه، وليس من أجل فئات ومؤسسات بعينها، عندما يقام ويشيع العدل فى الوطن، وتسرى القناعة بين الناس أن الجميع من أعلى مسئول إلى أصغر مواطن متساوون أمام القانون، عندما تعلى الدولة من كرامة المواطن، وعندما تصان حقوقه اﻹنسانية، حينئذ، وحينئذ فقط، يتولد ويترسخ إنتماء المواطن لوطنه.