بركة الملك فاروق.. تراث بيئي عالمي يستوطنه البلطجية

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

 

أسراب عدة من الطيور المهاجرة ترفرف بأجنحتها على سطح بركة الصيد في رحلتها الموسمية خلال شهر مارس قادمة من أوروبا ودول البحر المتوسط، تشد الرحال سنويًا إلى منشية دهشور في قلب محافظة الجيزة حيث بركة مياه مترامية الأطراف تتخللها الحشائش والغابات النادرة من كل جانب وتُغمر كاملة بالمياه في الفترة من يناير إلى مارس تختفي مع منتصف العام لتنحسر عنها المياه تدريجيا مع نهاية العام وتتحول إلى ما يشبه “البرك الصغيرة” المنفصلة التي تكون ساحة كبيرة لهواة التصوير وصيد البط والطيور تحت سفح الهرم.

بركة الملك

عُرفت قديماً باسم بركة الملك فاروق أو البركة الموسمية التي اتخذها كاستراحة ملكية لممارسة هواية الصيد المفضلة لديه للطيور المائية أثناء فصل الربيع في البركة مترامية الأطراف على مد البصر، تحيط بها المنطقة الأثرية بمنشية دهشور من ناحية وفيلل ومنتجعات وقصور كبار رجال الدولة والكتاب والأدباء وقادة الجيش والاقتصاد من ناحية أخرى، تظللها من الناحيتين أشجار النخيل التي تزداد بكثافة عند الجانب الشرقي، تقع على مساحة كبيرة تبلغ 500 فدان على مقربة من أهرامات «سنفرو وأمنمحات الثالث» ووادي الملك، الشهير بقهوة فرعون في الجنوب من منطقة سقارة بالجيزة.

ومع ثورة 52، تغير اسمها من بركة الملك فاروق إلى بركة الصيد، وانتقلت ملكيتها من الإصلاح الزراعي إلى حيازة القوات المسلحة ونادي الرماية الخاص بالقيادات العسكرية وأحاطوها بأسلاك شائكة من جميع الاتجاهات، ووضعت لافتات “ممنوع الاقتراب منها أو التصوير”، وما أن أثيرت أزمتي انفلونزا الطيور والخنازير، تم هجرها وإهمالها تخوفا من انتقال العدوى إلي الأهالي أو القادة العسكريين الذين يتنزهون هناك ورجال الأعمال الساكنين في المنطقة، فصارت أشبه ما تكون بإحدى المستنقعات التي تنقل العدوى إلى الأهالي الذين أعلنوا عن رفضهم القاطع لترك البركة على هذه الحالة، بعدما كانت المتنفس الطبيعي الوحيد الباقي أمامهم في المنطقة الأثرية، الأمر الذي ساهم في تحويلها إلى وكر للبلطجية والمدمنين وتجار الآثار والمخدرات في ظل غياب الرقابة.

البلطجية يحكمون البركة

أشرف أبو الغيط، أحد الأشخاص القائمين على حراسة البركة، قال إنهم يعانون من كثرة اللصوص والبلطجية وقطاع الطرق ومدمني المخدرات بشكل كبير وبصورة مفزعة للأهالي، خاصة في فصل الصيف بعد أن تجف المياه من البركة، ما دفعه للمطالبة بتحويلها إلى محمية طبيعية ومنطقة سياحية تستفيد منها الدولة وتعود بالنفع على منطقة منشية دهشور أو تطهيرها من القمامة التي صارت تحيط بها من كل الجهات.

والبركة تعد معجزة طبيعية بكل المقاييس، تأتي إليها أندر الطيور في رحلة هجرتها السنوية في الوقت الذي يصطاد رجال الأعمال وبعض المسؤولين تلك الطيور النادرة، ويعتبرها أهالي المنطقة بمثابة مصيف لهم وقت وجود المياه، اختارتها منظمة اليونيسكو عام 1979 كواحدة من أهم مواقع التراث البيئي العالمي المتبقية من الحضارة المصرية القديمة على امتداد نهر النيل تنمو بداخلها مجموعة من الأشجار والغابات النادرة ونبات البردي، وتحتاج إلى وضعها على خريطة السياحة المصرية لما تحويه من عناصر جذب كبيرة لهواة التصوير والصيد والاستمتاع بسحر الطبيعة.

التطهير هو الحل

أهالي العزبة المجاورة طالبوا الحكومة بأمرين؛ إما التطوير الجذري أو التطهير الكامل للبركة التي تمتد أكثر من 500 فدان وصارت جافة من المياه بشكل كبير، ونبتت بها الكثير من الحشائش حتى تحولت إلى مرعى للأغنام والمواشي خلال الفترة الأخيرة نتيجة التجاهل والإهمال والنسيان.

كثير من المواطنين إذا ذكرت أمامهم كلمة «دهشور» دار بخلدهم مباشرة إحدي اثنتين؛ إما «معسكر الجيش» القريب أو منطقة الآثار الشهيرة دون أن يدري الكثير منهم أنه بالجهة القبلية من بركة الصيد الملكية توجد مجموعة من «الفيلل» والقصور والمنتجعات والمنتزهات المبنية على أحدث الطرز لكبار الساسة والعسكريين والكتاب ورجال الأعمال والفنانين التشكيليين، وعلى رأسهم الفنان التشكيلي الدكتور عبد الغفار شديد، والدكتور محمد نبيل البلقيني، عميد معهد الأورام الأسبق الذي يمتلك وحده نحو نصف فدان في محيط البركة.

مرعى للأغنام

في الجوار أيضًا توجد فيلا الفنانة التشكيلية ناظلي محمود مختار مدكور، زوجة الكاتب الصحفي والروائي الشهير محمد سلماوي، المقامة على الطراز المعماري الغربي علي مساحة مائة متر تقريباً من إجمالي فدان كامل هي المساحة الكلية لمحيط المنتجع الخاص بهما، وتقع فيلا سلماوي بجوار فيلا الدكتور سمير رضوان، وزير المالية الأسبق الذي يمتلك نحو 16 قيراطا على نفس طراز فيلا سلماوي، في مواجهة منزل الدكتور جلال أمين، أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية والتي لم تتجاوز قطعته الـ10 قراريط فقط.

زكي.س، حارس العقار، أكد أن الدكتور جلال أمين لا يأتي إلى الفيلا إلا نادرًا وهجرها بعد ثورة 25 يناير 2011 بشكل كبير حتى استغل الأهالي أرضها الواسعة وأرض البركة كمرعى للأغنام والماشية وساحات لنشر الملابس الخاصة بهم وسط غياب الاهتمام الحكومي والرقابة من الدولة.

الدكتور عادل بشاي، أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية أحد أقدم السكان المحيطين ببركة الصيد الملكية، حيث يمتلك وحده نحو فدان أرض بالمنطقة منذ أكثر من ثلاثين عاما، أقام عليها الفيلا الخاصة به، تجاوره عواطف سراج الدين، زوجة زعيم الوفد الأسبق ياسين سراج الدين، التي تقطن بجوار البركة منذ أكثر من 20 عاماً، وأيضا هناك أكثر من 17 قيراطا تابعة لأحد المصريين العاملين بهيئة اليونسكو ويدعى سعيد إبراهيم ذو الفقار والمحامي محمد عبد الخالق حسونة.

ظهير زراعي

في منطقة مجاورة، توجد أيضا فيلا ماريان خولي، ابنة شقيقة المخرج الراحل يوسف شاهين والتي تصل مساحة الأرض التي تملكها في محيط البركة نحو 26 قيراطا، بالإضافة إلى عشرين آخرين تابعين لمجدي نسيم، مهندس معماري ونحو فدان تقريبا ملكا لرجل الأعمال يوسف عبجي.

في المقابل، لم يترك رجال الأعمال أو المستثمرين وتجار الآثار وأصحاب المحاجر في دهشور تلك الأرض أن تفوتهم دون استغلالها والبناء عليها؛ فقام شريف بركات، وعدلي عبده بركات، وعادل مشرف بركات، وفخري ورمزي مرعي بركات، ببناء قصورهم علي ناصية البركة، للاستمتاع برؤية الطيور المهاجرة ومياه البركة والغابات الطبيعية بها، فضلا عن امتلاك أكثر من ثلاثة أفدنة بالشراكة مع عصام إمبابي خضر، وعصام زتونة.

وفي الختام، أوصى حارس فيلا اللواء أبو المعاطي عون، أحد القادة العسكريين السابقين، أن يتم استغلال أراضي البركة بصورة جدية كظهير زراعي حقيقي لمنشية دهشور التي يعاني معظم شبابها من البطالة بدلا من تحولهم إلى قنابل موقوتة تهدد حياة الوطن.