المعرفة بين المتصوفة والفلاسفة الإشراقيين (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

“العقل المستقيل” مفهوم أطلقه المفكر العربي الشهير محمد عابد الجابري ليربط بينه وبين منهج العرفان الصوفي الذي ألقى بالعقل المسلم في غياهب الغيب، وشطح به إلى ما تجاوز الواقع، وتجاوز إمكانات المعرفة الإنسانية،  ويعني الجابري بالعقل مجموعة القواعد المنظمة  للنشاط الذهني المستخلصة من ثقافة خاصة.

 

يذهب الجابري إلى أن منظومة العقل العربي قد تكونت في عصر التدوين في نهاية الدولة الأموية، وهو يقسم علوم الثقافة الإسلامية إلى ثلاثة أقسام  هي “النظام البياني”، “والنظام العرفاني”، “والنظام البرهاني”، وتنتمي مجموعة علوم الفقة والنحو والصرف والكلام والبلاغة إلى القسم الأول، أما النظام البرهاني فينتظم المنطق والرياضيات والطبيعيات والميتافيزيفا، في حين ينتظم  النظام العرفاني علوم التصوف والفلسفات الإشراقية والتفسير الباطني للقرآن، وهي علوم لم تنشأ –في نظر الجابري- وفقا لمتطلبات الثقافة الإسلامية كبقية العلوم وإنما هي علوم موروثة عن الثقافات والفلسفات القديمة مثل الثقافة الفارسية والأفلاطونية المحدثة في الاسكندرية لذلك يصفها “باللامعقول العقلي”، ويذهب الجابري إلى أنه في سياقات تاريخية وصراعات مذهبية معينة حدثت نوع من المصالحة بين البيان العربي والعرفان الصوفي.

ولا يعتبر الجابري المتصوفة هم المسئولون الوحيدون عن تكريس العقل العرفاني وإحداث تلك الردة الغيبية في العقل الإسلامي، وإنما يتهم في ذلك صراحة ابن سينا ويعتبره المسئول الأول عن المزاوجة بين الدين والفلسفة، وهو ما رفضه ابن رشد كليا ودعى إلى ضرورة الفصل التام بين كلاهما، ويعتبر الجابري أن تبني الغرب لمذهب ابن رشد الذي زاوج بين المنهجين البرهاني والبياني هو ما أدى إلى تقدمه، في حين تبنى الشرق  للفلسفة السيناوية- نسبة إلى ابن سينا-  التي زاوجت بين الدين والفلسفة وهو ما أدى إلى تراجع العقلية العربية.

 

غير أن الجابري لا يجعل من رؤية “ابن سينا” رؤية فلسفية خاصة به؛ وأنما يعتبرها تعبير عن وعي قومي مهزوم لابن سينا الفارسي الأصل، وأن هدف ابن سينا كان هو إنشاء فلسفة مشرقية ذات خصوصية قومية فارسية، وأن هذا العقل العرفاني أو المستقيل- بتعبير الجابري- تغذى على ثلاثة تيارات رئيسية هي المانوية التي تجمع بين الزرادشتية والمسيحية والبوذية، والهرمسية نسبة إلى هرمس الحكيم وهي في الأساس نزعة صوفية إشراقية، ثم الأفلاطونية المحدثة التي كان من روافدها الأساسيين للثقافة الإسلامية ذا النون المصري وتلميذه الكيميائي جابر ابن حيان، وإن كان هناك من يرجح أن يكون جابر ابن حيان قد أخذ ذلك عن استاذه “الإمام جعفر الصادق” قبل تعرفه على ذا النون المصري.

 

ويظل العرفان في نظر العديد من المشاريع الثقافية الحداثية مظهر من مظاهر الردة العقلية، ونمط من أنماط التفكير الغيبي يمكنك ان تكتشف ذلك في كتابات سائر المفكرين الحداثيين مثل جماعة العقلانيين العرب وأركون والجابري وحنفي وحتى دعاة الوضعية المنطقية مثل المرحوم زكي نجيب محمود، والملاحظ أنهم جميعا ينطلقون في نقودهم من نفس النقاط المركزية، أولا نفي أي مصدر إسلامي لهذا المنطق العرفاني فهي عند جلهم فلسفات وافدة من الحضارات القديمة للشعوب التي دخلت في الإسلام  إما عن طريق الحركات الشعوبية، أو عن طريق اليهود والمسيحين الذين أرادوا الكيد للإسلام من داخله.

وحتى إذا كان لها عند أحدهم مصدر يمت  للبيئة للإسلامية بصلة فهو لن يعدو كونه مصدر تاريخي راجع للظروف السياسية والمجتمعية في فترة ما من التاريخ الإسلامي مثل اللجؤ للعزلة والتصوف والعرفان كرد فعل لجياة البزخ والترف التي عاشها الحكام المسلمين من الأمويين والعباسيين على التوالي، ولن يكون حديثنا هنا دفاعا عن المصدر الإسلامي للتصوف، أو اكتشاف مقدمات منطق المعرفة الذوقية في النصوص الدينية، لأن الدراسات قد فاضت في بيان هذه الأصول للتصوف الإسلامي من المصدرين الأساسيين للدين الإسلامي  (القرآن و السنة)، وإنما نحيلهم إلى نموذج بسيط من المعرفة الذوقية ومن الأنا المتعالية المتحدثة من مواطن مغايرة والتي لم نعهدها إلا في أحاديث المتصوفة ومواجيدهم، وهو نموذج “خطبة البيان” للإمام علي ابن ابي طالب التي أوردها “عبد الرحمن بدوي” بنصها الكامل في كتابه “الإنسان الكامل” ولينظر هؤلاء على أي نحو يستطيعون تفسير تلك النصوص العجيبة الناشئة قبل الافتتان ببزخ الأمويين والعباسيين، أو ما إذا كان “الإمام” علي قد أخذ بشكل أو بآخر عن  المدارس الفلسفية القديمة.

 

فإذا كان البعض يصر على إسناد مصدر المعارف الإشراقية والباطنية إلى مجرد التأثر بثقافات وفلسفات قديمة، فإننا نؤكد على أن كل ديانة من الديانات السماوية كانت لها من الجوانب الروحية، والإشارات الباطنية ما فتح المجال فسيحا أمام كل فطرة تميل إلى اعتماد الغيبي او تجاوز الواقع، ومحاولة خلق عالم مماثل بأهداف وغايات مختلفة .