المثقف والسلطة (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

عرف المجتمع الإسلامي منذ نشأته في القرن الأول الهجري شكلين من أشكال السلطة، تأسس كلاهما على بعض المفاهيم المستقاة من النص الديني المؤسس، هما السلطة السياسية المتمثلة في ولاة الأمر أو أمير المؤمنين او الخليفة وغير ذلك من المفردات السياسية السلطوية المستخدمة في تلك الفترة المبكرة من التاريخ الإسلامي، أما الشكل الثاني من أشكال السلطة فيتمثل في السلطة المعرفية، وهي سلطة الأعرف بمقاصد الشريعة الإسلامية والأقدر على استنباط الأحكام الفقهية، أو المنوطين بتحقيق أهداف الدين الإسلامي في العقيدة والحياة.

وقد تماهت السلطتان في بعض الفترات التاريخية حين كان ولي الأمر أو الخليفة هو النبي صلى الله عليه وسلم ثم خلفائه من الصحابة الذين عرفوا بالخلفاء الراشدين باعتبارهم الأقدر على القيام بواجبات ومهام السلطتين المعرفية (فهم وتفسير مقاصد الشريعة المحملة على النص الديني سواء اكان القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف)، بالإضافة إلى السلطة السياسية وما يتعلق بإدارة شئون المجتمع الإسلامي، ورفع لواء الفتوحات الإسلامية في الأمصار والبلدان، ولقد كان هذا التمايز بين السلطتين واضحا في بعض النصوص فلقد نسب إلى الصاحبيين الجليلين عمر بن الخطاب، وعثمان ابن عفان – بحسب اختلاف الروايات قولهما (إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن).

غير أن هذا التماهي لم يدم ففي أعقاب الفتنة الكبرى ودخول المجتمع الإسلامي مرحلة الملك العضود، كان ثمة متغيرين رئيسيين قد وقعا أما المتغير الأول فهو تفتت سلطة المعرفي بحيث لم تعد تمثلها جهة واحدة متمثلة في سلطة ولي الأمر المتمثلة في عثمان بن عفان رضي الله عنه حين وقع الاختلاف على فهم النص، والتضارب حول مفهوم الإمامة وشروطها بمعنى أنه أصبح هناك أكثر من جهة تدعي صحة فهمها الخاص لما تبنته من أفكار ومواقف، أم المتغير الثاني فهو أن الحكم انتقل من مرحلة الخلافة الراشدة التي تمتعت بالجمع بين السلطتين إلى مرحلة الملك العضود الذي استقر بالغلبة والسلطة ولم يعد محل ثقة لجميع الأطراف للجمع بين السلطتين السياسية والثقافية، ومن ثم فقد انفرد بالسلطة السياسية ولاة الأمر من الحكام، بينما آلت السلطة المعرفية (الدينية) إلى الفقهاء .

ومنذ ذلك الحين نشأت تلك الجدلية التي ستمتد تاريخيا ما بين السياسي والمعرفي، أو بتعبير حداثي ما بين المثقف والسلطة، وقد انعكس ذلك كله في نظر البعض على نشأة العلوم التأسيسية في الإسلام كالفقة وأصوله، حيث نشأة نوع آخر من السلطة مختلف عن مفهوم السلطة المرتبط بقوة السيف وهي السلطة التي يسميها بالسلطة المعرفية أو العلمية، أو سلطة الفقهاء.

فالدكتور عبدالمجيد الصغير يؤكد وجود حالة من التجاذب التي دأبت السلطة السياسية المرتبطة بالقوة على ممارستها بهدف استمالة ذلك النوع الآخر من السلطة المعرفية، وقد تكون نجحت من خلال عمال الدواوين أو من عرفو تاريخيا بفقهاء السلطان في العصور الأولى للإسلام، لكن رغم ذلك فقد التفت منظري السياسة الإسلامية إلى ذلك التمايز بين مفهوم السياسة بالقوة وبين مفهوم السياسة المرتبط بالسلطة المعرفية، فقد بات واضحا أن السلطة السياسية التي تتمتع بالقوة تستمد مشروعيتها من القرآن الكريم وأنها أصبحت أمام المجتمع مسئولة ليس فقط عن عدم مخالفته، وإنما أيضا لها الحق في استغلال تلك السلطة في قهر من تسوغ لهم أنفسهم مخالفته-أي القرآن- أو بالأحرى مخالفتهم، ومن المعروف كم كان من الممكن استغلال مثل تلك الوضعية لصالح أصحاب الملك.

وتتعدد الأمثلة التي تؤكد على إحالة الشريعة الإسلامية المشروعية لسلطة الكتاب المقدس (القرآن الكريم) في النموذج النصي الذي يقدمه، فقد روى الإمام علي ابن أبي طالب عن النبي – صلى الله عليه وسلم- قوله . أنها ستكون فتن كقطع الليل المظلم. قلت. وما المخرج منها يا رسول الله؟ قال. كتاب الله عز وجل فيه خبر من كان قبلكم، وخبر من جاء بعدكم، وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ولا تشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن حكم به عدل..” لم يخلو هذا الحديث من بعض المضامين السياسية فالحديث يتحدث عن “الفتنة” وهو مفهوم إسلامي جرى استخدامه للإشارة إلى سطوة صاحب القوة والسلطان، وعن الحكم، وعن الجبار، ولم يخلو كذلك من الحديث عن العلماء باعتبارهم السلطة العلمية المناوئة لأصحاب السلطة الحقيقية، ثم يحيل كلاهما إلى النص باعتباره الحاكم القويم بينهما.

فالحديث الشريف هنا لم يجعل من القرآن الكريم أصلا تستمد منه السلطة السياسية مشروعيتها ليضمن لها سلطة مطلقة قائمة على فكرة “حق التوقيع عن الله” وإنما ليجعل من روح القرآن العظيم ضابطا لقواعد ممارستها، وهو لم يسند إليها حق مطلق في السلطة وإنما افترض وجود سلطة منافسة تتمثل في السلطة المعرفية للعلماء الناطقين بالحق في وجوه الجائرين من ذوي السلطان.