العقل العربي ..الدوران في حَلَبَة النص

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

في صدد الحديث عن العقل العربي وما يواجهه من تحديات يطيب لنا جميعا – مع بعض الاستثناءات- أن نستسلم لمصطلحات تتعلق بالمأزق والإشكالية والتسلط والانقطاع والأسر، ويكون هذا بإطلاق في بعض الأحيان في مخالفة صريحة لما يجب أن يكون عليه الأمر عند تناول تلك الموضوعات التي تفترض المقابلة بين ضدين.

إن ذلك الوضع الحدي بين العقل وأطراف أخرى منها النص الديني وما له من سلطة، وما به من سعة وتعدد يغري السلطة بتطويعه- بات لدى كثيرين مصدرا من مصادر الارتزاق.. لذلك ترى سهامهم موجهة لكل محاولة حقيقية تستلهم آفاقا جديدا للفهم، ولا تعتنق السوابق الحاكمة.

نحن –دائما- أمام مواجهة تحتدم فترتفع الأصوات طلبا للحسم، والحقيقة أنه لا حسم في تلك المواجهة.. إن هو إلا تباعد واستغلاق ونفور لا يؤدي إلى شيء.. فما بين رؤية للعقل تفرده بعيدا عن العوامل والتأثير، ورؤية تبرّئ النص وما لحق به، وتبرأ من كل ما عداه؛ نفقد كثيرا من الوقت والجهد وتتحول محاولاتنا إلى مراوحة غير مجدية.

على الرغم من ذلك فإن الأمر على كثرة علاته لا يخلو من بعض الحقائق.. لأن الحديث عن العقل يحتاج منا إلى تحديد حتى نقع في هوة الالتباس، فالمقصود هنا هو” العقل المؤسَّس تاريخيا على تطوّر العلوم والمعارف، وليس العقل المعتقَل، أو العقل المستقيل” وهو في هذه الحالة لن يبدي ذلك الخضوع تجاه سلطة النص المستغلق الذي اختار القائمون عليه أن يكون بمعزل عن التفاعل مع محيطه؛ فصار الاحتكاك به يمثل صورة من صور التوتر المتجدد بين متشدد لا يعنيه التماس روح النص، ولا قراءته بصورة مختلفة، ومتعال يرى النص عائقا أمام كل تطور؛ فيرميه بكل نقيصة.

لقد صارت كلمة “النص” لدى البعض حافزة على الاستعداء والتربص، وفي المقابل توسع آخرون في استخدام الكلمة فطالت مساحات واسعة من الرؤى والاجتهادات عبر الزمن، فصار “النص” قميصا يلبسه هؤلاء لكل ما أرادوا أن يكسوه بـ “حُلَّة” القداسة.. ويوضح الدكتور وفيق سليطين أن للنص تعريفا معاصرا يختلف عن المفهوم القديم؛ لذلك فهو لا يضفي صفة النص على تلك النقول، وإن عَظُم قدرها لدى البعض؛ إذا لم يكن منتظما لسلسة من العلاقات تسير وفق نسق “علائقي” ينطوي على رسالة.. أما الدكتور نصر حامد أبو زيد، فيرى أن النص لا بد أن يكون متداخلا في مجالين معرفيين هما: علم تحليل الخطاب، والسيمياء (علم العلامات).

وربما كان من الضروري أن نلحق بالتعريف المعاصر للنص أمرين آخرين يتعلق الأول بالمشروعية التي يحوزها بقوة التأثير وسعة الانتشار في ثقافة ما، ويتعلق الأمر الثاني بمدى استجابة هذا النص للشروط والمتطلبات التي يفرضها واقع المجتمع ودوائر التفاعل الثقافي فيه.

وبالنسبة للنص الديني صاحب السلطة القاهرة والذي تمدد على مر القرون ليغطي الكثير من الشروح والآراء التي غيبت النص الأصلي، أو أقامت الحواجز التي تحول دون التعامل معه بشكل مباشر، بزعم أن ذلك يتطلب معرفة خاصة ودرجة من العلم قلما تدرك؛ يرى الدكتور سليطين أن علاقة تلك النصوص بالسلطة كانت علاقة وظيفية.. فالسلطة تغذي تلك النصوص التي تدعم بقاءها وتعزز من وجودها وتثبت دعائمها.. وهي في الوقت نفسه تزري بنصوص أخرى تناوئ هيمنتها وتغولها، وفي أحيان كثيرة تصم السلطة بعض النصوص بأنها هادمة ومحرضة على العنف لذلك يجب نبذها أو على الأقل تفكيك مضامينها بإبراز التناقضات، ولا تتردد السلطة في محاربة تلك النصوص، وإن كانت في أعلى مراتب القدسية.. والأمثلة في ذلك عديدة وتجل عن الحصر.

ولا شك أن النص إذا اكتملت له شروط القدسية، وأصبح حائزا لمكانته فإنه في تلك الحالة يستعصي على الترويض، وتكون كل محاولة في سبيل ذلك مكتنفة بجوانب الضعف والتلفيق.. لذلك فإن السبيل المبتغى والأكثر أمنا كان التعطيل وعدم الملاءمة، واحتجاز النص داخل حدود الزمان أو المكان، كما أن إفساح النص وتعميمه كان في أحيان كثيرة سبيلا لإفقاده القدرة على المناسبة والتأثير.

إن تلك العلاقة بين العقل العربي وسلطة النص، ونص السلطة إذا جاز التعبير هي علاقة لا تقوم على أسس صادقة التوجه، إنها احتيالية بدرجة كبيرة، وهي ذات صبغة عدائية، ولا تعرف التوافق إلا مرحليا، أو على سبيل المهادنة.. وتلك العلاقة تعاني طوال الوقت من تأثيرات سلبية لا تترك لها مجالا نحو التعافي، لأنها محكومة طوال الوقت بدوافع الخوف والتربص.. وهذا الصراع يمتد وفق معطيات واقع يتردى بإطراد، ولا بديل عن إعادة النظر وتحديد الأدوار بالعودة إلى الأسس ومجالات التأثير.. فيكون التوقف عن إصباغ صفة النص على الكثير من الآراء سبيلا لمعرفة واستلهام روح النصوص التي تتوفر فيها الشروط السابق ذكرها، كما يجب أن تتوقف السلطة عن العبث بالنصوص توظيفا لها في سياقات التبرير لكل ما يخالف العقل والمنطق، أما العقل العربي فعليه أن يخلص من كل ذلك من خلال تأسيس آخر يتلمس حرية الفكر في منهجية معرفية، لا من خلال فوضى الأهواء والتقليد.

ما زلنا نفتقد إلى الجدية في التعامل مع مثل تلك القضايا التي يراها الكثيرون نوعا من الترف لا ينبغي الانشغال به في ظل تردي أوضاع المواطن العربي الذي بات بقاؤه على قيد الحياة رجاء يهدده الانقطاع.. ولكن المستقرئ للوقائع سيعرف أن هذا الانهيار ليس إلا وليدا لتلك الملابسات التي اكتنفت علاقتنا بالنص منذ وفاة النبي- صلى الله عليه وسلم- وحتى يومنا هذا.. فما حدث بعد لا يعدو كونه انقطاعا عن النص، وليس تواصلا معه، وهو على أفضل الأحوال تواصل تشوبه روح الاستغلال والارتزاق، وهو ما لايُرْجى معه فلاح.