العراق وبوتقة الصراعات الإقليمية.. تطورات لا تنتهي

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

في خضم الاستعدادات للانتخابات البرلمانية يواجه العراق وضعًا إقليميًّا متضاربًا، يقع منه البلد موقعًا مركزيًّا كعادته وكما يفرض عليه موقعه الجغرافي، بكل ما يجلبه من تداعيات جيو سياسية شكلت، طوال التاريخ، الواقع السياسي للعراق، كما أنه يقع جغرافيًّا، في تلك المرحلة وبكل سماتها وصراعاتها، بين إيران ومملكة آل سعود. يمكن القول إن العراق كان دومًا مرآة تعكس الوضع الإقليمي للشرق الأوسط والمنطقة العربية، بتوسطه بين بلاد فارس وتركيا، الكيانين الكبيرين حضاريًّا وبشريًّا وسياسيًّا، مع تأثيرهما البالغ على العرب وعلاقتهما اللصيقة بهم، وكونه بوابة شرقية للمنطقة العربية مشرِفًا على إقليمي الشام وشبه الجزيرة العربية، ومطلاًّ على الخليج العربي وبحر العرب، اللذين يطوقان جنوب غرب آسيا، ويصلان تاريخيًّا المنطقة العربية بالهند.

طبقًا للموقع الجغرافي، لطالما جاءت التغيرات الفارقة في الداخل العراقي انعكاسًا للتطورات الإقليمية حوله، كما حدث بمجيء الانتداب البريطاني وقيام “المملكة العراقية” عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، كإحدى نتائج استخدام بريطانيا للعرب ولحركة الشريف حسين؛ من أجل إسقاط الدولة العثمانية، مرورًا بتنصيب فيصل بن الشريف حسين ملكًا، وقد كان ملكًا على سوريا، وانتهاء بالثورة الوطنية عام 1958، التي سحبت العراق من حلف بغداد الاستعماري ــ البريطاني التركي المناهض للقومية العربية، والتي جاءت في إطار المد التحرري العربي الذي اجتاح المنطقة وقتها، ووجد لنفسه منطلقًا أعلى في الانتصار السياسي المصري عام 1956.

الجبهة السورية

يمكن القول إن القوى التي صنعت داعش أجادت استخدام العراق كمعبر طبيعي وكفء للإرهابيين نحو سوريا، بما تكوَّن في العراق من كيانات إرهابية قبل عام 2011 كمجلس شورى المجاهدين ثم “الدولة الإسلامية في العراق”، التي أُعلنت عام 2006 في إطار حالة الفوضى الشاملة التي شهدتها البلاد بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، ومرت خلالها بمشروع حرب أهلية، قام بفعل عناصر وتنظيمات تشكلت في السجون الأمريكية بالبلاد، وكفل لها المال والدعم والتنظيمي والأيديولوجي من مملكة آل سعود.

حاليًّا، ورغم انتصار العراق وزوال داعش، لا تزال القوات الأمريكية حاضرة في العراق، رغم انتفاء حجة “محاربة داعش”، وإن خُفض عددها، فضلاً عن تواجد عسكري في شمال سوريا وفي قطاع صغير بالصحراء السورية، منطقة التنف، يشمل الحدود العراقية والأردنية مع سوريا. يبدو أن الجيش الأمريكي لم يأخذ تصريحات الحشد الشعبي العراقي عن استهداف القوات الأمريكية حال بقائها بعين الاعتبار، أو أن قيادته اكتفت بالتخفيض الذي تم بطلب من الحكومة العراقية، ثم موازنة ذلك بالسعي الجديد لجلب قوات من حلف الناتو، تحت صيغة “تدريب القوات العراقية”، بالإضافة إلى التوسع الذي تم مؤخرًا في إنشاء قواعد عسكرية أكبر من ذي قبل في مناطق سيطرة الأكراد بشمال سوريا.

من هنا يتحول الشمال السوري إلى تحدٍّ جديد، نوعيًّا، للعراق بشكل يتجاوز الإشكالية التقليدية الخاصة بالأكراد، حيث يعد الشمال السوري امتدادًا لهم، يتماس مع الشمال العراقي ذي الإدارة الذاتية والمأزوم منذ سنوات بين تخبط القوى الكردية بعضها ببعض من ناحية، والنفوذ الأمريكي على تلك القوى من ناحية أخرى، والذي لم يمانع من التخلّي عنها في مواجهتها مع أردوغان مؤخرًا في عفرين، كدرس تاريخي هام وقديم يبدو أن قيادات الأكراد لم تستوعبه، ظنًّا منها أن التسليح والدعم الأمريكيين يمثّلان ضمانة سياسية تقيهم عدوهم الأكبر أي الدولة التركية. تكفل التجهيزات الأمريكية الجديدة في الحسكة والرقة السوريتين، بما تشمله من نقاط للنقل والدعم اللوجيستي والاستطلاع والمراقبة والاتصال، نمطًا تعويضيًّا من الحضور العسكري للإشراف على العراق من جهة الشمال، بما يحل محل الحضور الميداني “الثقيل” في وسط وشمال العراق الذي قد يتعرض لتهديدات ومخاطر جدية، حال انقلاب الأوضاع في المنطقة، في ظل النية المعلَنة للحشد الشعبي بعدم السماح للقواعد الأمريكية بالبقاء، دون أن يحدد سقفًا زمنيًّا لذلك، وإن كان مفهومًا أن هجومًا مشابهًا يرتبط بالوضع الإقليمي العام والسلوك العسكري الأمريكي، وحدته وأنماطه، حيال سوريا والعراق تحديدًا.

الجبهة التركية

على عكس ما صدره الإعلام السائد خلال الأيام الماضية، ليست العملية العسكرية المحدودة الحالية لتركيا في شمال العراق الأولى من نوعها، إذ شهدت السنوات الماضية فصولاً متقطّعة من القصف الجوي التركي لقوات حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، بالإضافة إلى توغلات برية محدودة، كالحالية، وقف منها العراق، كالآن، موقفًا يتراوح بين إدانة انتهاك سيادته على أرضه والإحجام عن اتخاذ رد فعل حاسم، أي عسكري، واكتفت الإدارة العراقية بالشكاوى الدبلوماسية التقليدية، بالإضافة إلى إجراء حوار ومباحثات تقليدية مع الجانب التركي، الذي ينتزع منذ أشهر اعتراف كل الأطراف الدولية والإقليمية بحقه في وقاية أمنه القومي، ظاهريًّا، بضرب الحضور العسكري الكردي على حدوده.

لا يفيد احتلال تركيا لعفرين السورية، بالضرورة، نية تركية في استنساخ التجربة في شمال العراق، مع الارتكازات الكردية الكثيفة وذات الحواضن الشعبية المتماسكة في أربيل ودهوك وتل عفر، ومع الإدراك التركي أن الصمت النسبي للعراق يأتي في مصلحته لإضعاف القيادة الكردية المرتبطة مؤخرًا بالولايات المتحدة. إن حالة القوة والتمدد التي تعيشها تركيا، بعد تعافيها النسبي من آثار الحرب السورية، تفيد بالضرورة إبقاءها على العمليات الدورية ذات الطابع التقليدي لضرب الحضور العسكري الكردي في شمال العراق، في ظل بقاء معضلة “الدولة العراقية” التي أرهقها، منذ عام 2003، المراوحة بين نموذج الحكومة المركزية والواقع “الفيدرالي”، الذي لا يعبر بشكله الحالي، ووفقًا لواقع العراق ودرجة تطوره الاقتصادي والاجتماعي، سوى عن حالة مستمرة من التفكك السياسي والتعرض لخطر التفكيك في أي لحظة، مع بقاء مصالح الغرب في نفط العراق وأذرعه في الداخل العراقي وفي المنطقة، وتعرض البلد لمعضلة اقتصادية لم يتوصل أحد في سلطته لنقطة بداية في حلّها، حتى الآن، مما حدا بالعراق إلى عقد مؤتمر للمانحين والاتجاه إلى صندوق النقد الدولي، الذي سيمارس، قطعًا، نفوذًا على موازنته العامة حال موافقته على إقراض البلاد لحل أزمتها الكبيرة.