الحكايات النوبية.. موروث تناقله الأجيال

يمتلئ التراث النوبي بقصص عدة تعكس ثقافة الأجيال المتتالية، وكأن الأمر ليس مجرد حواديت، بل قيم سبحت في عالم الخيال، خلقت عالما أصبح من يقرأه يخرج منه بقيمة ومعلومة تبقى معه طوال الزمن.

قصة الجن

وفي المورث النوبي، هناك قصص تروي حكايات الجن والعفاريت التي تناولتها الأجيال المختلفة، ومنها حكاية الرجل الذي ماتت زوجته فدعاه ابنه للزواج من جارتهم لتقوم على خدمته، وفي ليلة الزواج ترك الابن البيت حتى لا يحدث ما يعكر الجو بسببه، ذهب لينام في أرض مهجورة تسكنها الجن، واستأذن الجن في المبيت معهم، فرحبوا به، وضع رأسه وغط في نوم عميق، واجتمع الجن للذهاب إلى حفل في قصر السلطان، وحملوا الابن النائم معهم للقصر، وأدخلوه إحدى حجرات النوم لينام بجوار بنت السلطان، وتستيقظ بنت السلطان فتجده بجانبها، وتعجب بجماله وشكله الوسيم، وتأخذه إلى الحمام، وتبدل ملابسه بالحرير، وتبادلت معه الخواتم الألماس، وتزوجته على سنة الله ورسوله، ثم استغرقا في النوم، وبعد انتهاء الحفل حملوا الابن وهو نائم.

واستيقظ الابن ليجد نفسه يلبس الحرير المرصع، وفي أصابعه خواتم قيمة وبجواره صرر النقود، ويرجع لأبيه ويغدق عليه بما حمل من خيرات، وذهب يبحث عن فتاة أحلامه، أما بنت السلطان فحملت منه في تلك الليلة، ووضعت حملها، وثار الشعب على السلطان وطردوه من القصر هو وابنته والطفل الرضيع بعد فشله في إقناعهم بأن ابنته لم تحمل سفاحاً، رآهم الابن يهيمون في الطرقات في حالة يرثى لها، وسأل من حوله عن حكايتهم، فعرف أنه السلطان وابنته فتاة أحلامه وطفله الرضيع، فتتبعهم وأعطى الفتاة الخاتم الذى أهدته إليه، وأدركت أنه فتاها وزوجها، وعاد الجميع للسلطنة وتولى الابن الملك.

الزواج ورضى الوالدين

وثمة قصص في التراث النوبي أيضا، تؤكد على ضرورة الترابط والتواصل على المستوى الأسري؛ فمن الحكايات أن أخوان اتفقا أن يتزوج ابن أحدهما بنت الآخر، وسافر الابن للعمل فى القاهرة، وجمع المال اللازم للزواج، وطالت غيبته وبهرته حياة القاهرة، وتجاهل العودة لإتمام الزواج من بنت عمه، في أحد الأيام، جلست الفتاة في أرض والدها تحت ظل نخلة على شاطئ النيل تفكر في حالها وقد لفها الحزن، ومر عليها بعض التجار قاصدين القاهرة، وسألوها بعض الماء، فسقتهم وأطعمتهم من بلح النخلة، واستحسنوا خلقها وكرمها، وسألوها ان كانت تريد شيئا من القاهرة، فقصت عليهم انتظارها لابن عمها الذى يعمل فى القاهرة وطالت إقامته فيها، وعدوها بالبحث عنه، واجتهدوا في البحث في أماكن تجمع النوبيين، ووجدوه يعمل في مقهى، فجلسوا يغنون الأغاني النوبية عن الشوق والحنين، فرق قلبه وتذكر بنت عمه، وتعرف عليهم، وطالبوه بالعودة وعددوا له محاسن ومكارم بنت عمه ووصفوا له مدى شوقها إليه وإخلاصها له.

وأسرع الشاب بالعودة ليتزوجها، وفوجئ بأمه تصر على أن يتزوج من بنت خالته، وهددته بأن تتبرأ منه إن عصاها، فأصبح في حيرة، وقلبه يميل إلى بنت عمه، ولا يريد أن يحنث والده في وعده لعمه، ومن ناحية أخرى، لا يمكن أن يغضب أمه، وتزوج بنت خالته وعندما عاد التجار من القاهرة ومروا من نفس المكان، ووجدوا الفتاة أكثر حزناً، فسألوها ألم يأت ابن عمك، فقالت إنه ذهب بتأثير أمه وتزوج بنت خالته، فتأثروا لحالها وقرروا مساعدتها، ذهبوا إليه ورددوا على مسامعه نفس الأغاني التي رددوها في القاهرة، وذكروا فضائل وحب بنت عمه، تأثر بكلامهم، فغافل زوجته ورجع مع التجار ليتزوج بنت عمه التي انتظرته طويلًا حتى بعد زواجه، وأنقذ كلمة أبيه مع عمه، وأرضى أمه حتى لا تتبرأ منه وعاش مع زوجتين حتى ينال رضا والديه.

قصص للأطفال

وزخر التراث النوبي أيضا بقصص عن الأطفال؛ تغرس فيهم قيم الحب والإخاء والتسامح وغيرها من القيم الإيجابية عبر قصص عدة؛ فمثلا هناك قصة “كلو” الشاب الأنيق الذي يجذب فتايات قريته، لكنه عندما يقرر الارتباط يختار ابنة الملك التي سمع عن جمالها، ويقرر أن يسافر بعيدًا ويدعي أنه أبله، حتى يستطيع التقرب إليها، وتدور الأحداث حتى يهجم الأعداء على القبيلة ويظهر كلو الفارس على حقيقته مدافعا عنها وعن بيت الحاكم وتزوجها بعد ذلك.

وهناك قصة تحث على الأمانة والإخلاص وأن الجزاء من جنس العمل، وتأثروا فيها بقصة سيدنا يوسف عليه السلام، وهي قصة “سفان أراجيد” والحكاية لفتى ترك بيته وواجه الصعاب قبيل رفضه لإغواء امرأة الملك الذي استأمنه على بيته وسافر، ليواجه الويلات بعد ذلك، ويتدخل القدر ويأخذ الوزير الخائن جزاءه بدلًا منه، ثم يعود الفتى بعد ذلك مرة أخرى إلى داره وزوجته.

وللحث على العمل والكد والتعب حتى تصل إلى ما تريد، هناك قصة “سماحة وقماحة” التي تدور أحداثها حول فتاتين إحداهما طيبة القلب تهتم بالعمل والأخرى لا تبالِ بأي شيء سوى اللعب والأكل، لتخسر الثانية كل شيء مقابل انشغالها بالطعام وتموت أمها حسرة، فيما تربح الطيبة جزاء طيبتها واهتمامها بالعمل.