مدن مصرية على خط المواجهة(4) الإسكندرية.. سيدة عواصم العالم القديم

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

إنها حقا ودون مبالغة أعظم عواصم العالم القديم.. هذا ما قاله العالم الألماني الدكتور “مانفريد كلاوس” المتخصص في علم المصريات، ومن يعلم ما تتمتع به المدرسة الآثارية الألمانية من دقة وموضوعية ومنهجية سيدرك أن “كلاوس” لا يبالغ حين يقول” إن الشخصية المصرية هي التي وضعت اللبنة الأولى في بناء الحضارة الإنسانية التي نعيش في ظلالها اليوم، سواء أكانت في الغرب أم في الشرق”.

في عام 60 ق.م زار المؤرخ “ديودور” الإسكندرية، ووصفها في عبارة بليغة توضح مكانة المدينة في العالم آنذاك، فقال:” هي أكبر مدن البحر المتوسط قاطبة، اما من حيث الثراء والجمال والنعيم؛ فهي الأولى على مستوى العالم بلا منازع”.

يقول “هوميروس” في الجزء الرابع من الأوديسة “توجد جزيرة في البحر المتلاطم تدعى “فاروس” تقع بالقرب من مصر، ولها ميناء ذو مرسى جيد، ولهذا فهم يبحرون بعيدا فيما وراء المياه العميقة” والجزيرة التي يشير إليها “هوميروس” هي منطقة رأس التين الحالية، أما المجرى المائي الذي كان يفصلها عن اليابسة؛ فقد امتلأ تماما بطمي النيل الذي كان يصل عبر الفرع الكانوبي، وقد حملت تلك البقعة اسم هذا الفرع لفترة فكانت تسمى “كانوبيس” لكن أقدم مدينة قامت في هذا المكان، ويرجع تاريخها إلى عام1300 ق.م، فكانت تسمى “راكوتيس” أما المدينة التي أنشأها الإسكندر المقدوني ونسبها لنفسه، وما تزال باقية إلى يومنا هذا ملء السمع والبصر، فقد ظهرت للوجود عام331ق.م. كمدينة كبيرة احتلت اليابسة التي كانت تضم 16 قرية أكبرها وأهمها قرية “راقودة” حامية الميناء، وكانت تلك القرى تضم اثنتي عشرة قناة تصب جميعها في البحر، وقد أمر المهندسون بردمها جميعا وتحويلها إلى شوارع عدا أكبر قناتين.

 

اتسمت المدينة نظرا لظروف نشأتها “بالصبغة العسكرية كمدينة للجند الإغريق، ثم تحولت أيام البطالمة الإغريق إلى مدينة ملكية بحدائقها وأعمدتها الرخامية البيضاء وشوارعها المتسعة” وفي هذا الوقت صارت عاصمة لمصر، “وأصبحت إحدى حواضر العلوم والفنون بعد أن شيّد فيها البطالمة عددا من المعالم الكبرى مثل مكتبتها الضخمة التي تعد أول معهد أبحاث حقيقي في التاريخ، ومنارتها التي أصبحت أحد عجائب الدنيا السبع في العالم القديم”.

يصف أحد المؤرخين القدامى أهل الإسكندرية بأنهم “الأكثر رغبة في الثورة والقتال من أي قوم آخرين” فمنذ العام 116م الذي شهد تمرد السكندريين اليهود لم تعرف المدينة الهدوء إذ تواصلت الاحتجاجات ضد الحكم الروماني، وقد شهد العام 215م مصرع عشرين ألف مواطن سكندري راحوا ضحية الأحداث الدامية التي تفجرت عقب زيارة الإمبراطور الروماني للمدينة، واستقبال أهل المدينة له بقصيدة حملت هجاء مقذعا أثار غضبه لأقصى درجة مما جعله يصدر الأوامر لجنوده بإنزال أشد عقاب بالسكندريين.

ثم كانت المدينة ساحة للصراع الديني بين الرومان الوثنيين، ومن اختاروا الديانة المسيحية من المصريين، ثم بعد ذلك بين أتباع المذاهب المختلفة في المسيحية حول طبيعة السيد المسيح عليه السلام.

وفي نحو عام640م شهدت مصر دخول الجيش العربي بقيادة عمرو بن العاص، وكان المقوقس “قيرس” حاكم مصر متحصنا قرب جزيرة الروضة، وكان الجيش العربي قد عسكر عند عين شمس، وقد التقى الفريقان في معركة انكسر فيها الروم، فتقهقروا ثم لجئوا إلى الحصن، وما لبثوا أن نزلوا على شرط العرب، ودفعوا الجزية، فتابع العرب استيلائهم على المدن المصرية حتى وصلوا الإسكندرية التي كان الأسطول البيزنطي يحميها من ناحية البحر، ولم يستطع الروم الصمود طويلا إذ مات  القيصر هرقل أثناء حصار المدينة، وتولى ابنه قسطنطين الثاني – وكان مازال حدثا- مقاليد الحكم؛ فوافق الروم على الصلح وجلت قواتهم عن المدينة؛ فدخلها العرب.. ثم عاود البيزنطيون الهجوم على المدينة بحرا بغرض استعادتها؛ لكن المسلمين استطاعوا ردهم عنها، ثم فقدت المدينة العظيمة مكانتها السياسية بعد أن أنشئت الفسطاط، وصارت عاصة لمصر.

ومع أوائل شهر يوليو عام 1798، تشهد الإسكندرية حدثا جللا، وهو الحملة الفرنسية على مصر، وقد كتب “نابليون بونابرت” واصفا مقاومة أهل الإسكندرية :”إن كل بيت تحول إلى قلعة في مواجهتنا؛ فقد خرج الرصاص من كل منزل صوبنا، وقد كادت رصاصة تسكن ساقي، بعد خروجها من موقع مقاوم لم يكن في حقيقته مكونا إلا من رجل وامرأة فقط”.

كما كتب الجنرال “مينو” يصف تلك الأحداث قائلا: “إن الأعداء قد دافعوا عن المدينة بكل شجاعة كبيرة وثبات عظيم، وقاوم حاكمها السيد محمد كريم من قلعة الفنار حتى آخر طلقة”. وكان “مينو” قد تلقى ضربة قوية على رأسه من شاب سكندري، أسقطته من أعلى سور، وكاد يفقد حياته، أما “كليبر” فقد كاد عيار ناري أن يخترق جمجمته عند الجبهة؛ لكنه ترك جرحا بليغا، وكان تقرير الحملة المرفوع لحكومة “الديركتوار” قد ذكر أن الحملة قد خسرت نحو مئة وأربعين جنديا بين قتيل وجريح، وعند كتابته لمذكراته ذكر “بونابرت” أن العدد الحقيقي قد جاوز الثلاثمائة.

وفي العام 1882، شهدت المدينة بداية الاحتلال البريطاني لمصر، إذ تعرضت الإسكندرية لقصف شديد لمدة يومين متواصلين حتى استسلمت؛ معلنةً بذلك بداية الاحتلال البريطاني لمصر والذي دام لسبعين عاما، كما تعرضت المدينة لأضرار هائلة في فترة الحرب العالمية الثانية، حيث كانت تقصفها الطائرات الحربية لدول المحور مما تسبب في دمار هائل لمباني المدينة، كما أدى ذلك القصف الجوي الوحشي إلى مقتل المئات من أهالي الإسكندرية، وقد اعتبرت الإسكندرية أكثر المدن المصرية تضررا من تلك الحرب.

وفي الأحداث التي انطلقت في مصر بدءا من الخامس والعشرين من يناير2011، كانت الإسكندرية حاضرت بقوة بعد أن شهدت حادثتين اعتبرتا من أهم أسباب ذلك الحراك الشعبي الهائل، ألا وهما مقتل الشاب السكندري خالد سعيد على يد شرطيين، وتفجير كنيسة القديسين الذي أشير فيه بأصابع الاتهام لأحد الأجهزة الأمنية.

وماتزال الإسكندرية مدينة التاريخ والجمال شاهدة على ما تمر به بلادنا من أحداث جسام متطلعة لأدوار نضالية تليق بها وبأهلها الطيبين أبناء المُرسي أبي العباس المشهورين بأنهم “أجدع ناس”.