مدن مصرية على خط المواجهة (6) المنزلة والمطرية والجمالية.. جحيم الفرنسيين

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

كانت الثورة كحية ذات مئة رأس، كلما أخمدها السيف والنار في ناحية ظهرت في ناحية أخرى أقوى وأشد مما كانت، فكأنما كانت تعظم، ويتسع مداها، كلما ارتحلت من بلد إلى آخر” كانت هذه كلمات الضابط الفرنسي “ريبو” أحد رجال الحملة على مصر والذي أيقن أن إخضاع المصريين بالقوة الغاشمة بات مستحيلا، كما أن محاولات التقرب لهم بشتى الطرق باءت بالفشل.

في صيف عام 1798، كان الفرنسيون على موعد مع موجة ثورية عاتية تجتاح مدن الوجه البحري وقراه.. بدأت الأحداث بحصار أهالي المنصورة لمعسكر الفرنسيين وإضرام النار فيه، فلما لاذ الفرنسيون بالفرار في السفن النيلية؛ تبعهم الأهالي ومنعوهم، فحاولوا الهروب برا صوب دمياط، لكن الثوار تبعوهم وأفنوهم عن آخرهم ولم ينج سوى ثلاثة أسرهم الأهالي وكانت جراح أحدهم بالغة.

في كتابه “النضال الشعبي ضد الحملة الفرنسية” يذكر ضابط الجيش المصري المقدم محمد فرج أن إقليم المنزلة أثناء الحملة كان يخضع لرجل من المصريين يدعى حسن طوبار، وكان هذا الرجل معتبرا من جانب الفرنسيين كأحد المحرضين على الثورة، فأرسلت قيادة الحملة له الجنرال “داماس” ليتفاوض معه.. ويصف الضابط “ريبو” أهل المنزلة والمناطق المحيطة بها بأنهم “قوم أشداء ذوو نخوة، ولهم جلد وصبر، وهم أشد باسا وقوة من سائر المصريين…”. ولما لم تفلح المفاوضات مع “طوبار” صدرت الأوامر إلى الجنرالين “داماس” و” داستنج” بأسر الرجل، وتدمير أسطوله المتواجد في البحيرة، والذي كان يربو على الخمسمئة مركب.. تقدم “داماس” بقوة تبلغ ثلاثمئة جندي نحو البحيرة، بينما صدرت الأوامر لـ “داستنج” بالتراجع إلى المنصورة.

تحركت القوة الفرنسية على متن عدة سفن، وعند بحر أشمون بالقرب من قرية الجمالية، تعطلت السفن بسبب ضحالة المياه، وكان الثوار ينتظرون تلك اللحظة، فشنوا هجوما عنيفا على الفرنسيين فأمطروهم بالرصاص وبوابل من الحجارة، واستمر القتال لأربع ساعات، ولم ينته إلى بعد أن أضرم الفرنسيون النار في قرية الجمالية، وانسحبوا عائدين إلى المنصورة.

وبرغم من أن الجنرال “دوجا” قد أرسل إلى “داماس” يحفزه على الهجوم مجددا، ويعده بمزيد من الدعم إلى أن ما رآه “داماس” ورجاله من ويلات في نواحي المنزلة بسبب هجمات الأهالي المتكررة عليهم، جعله يفضل التراجع متعللا بأن الهجوم على النحو المعتاد – مهما زادت القوات- لن يؤتي ثماره.

وحاول الفرنسيون مجددا استمالة “طوبار” وإغرائه بالهدايا، وقد استدعاه الجنرال “فيال” إلى مدينة دمياط لتلقي هدايا “نابليون” لكن “طوبار” رفض كل ذلك واستعد لحرب الفرنسيين، واتصل بالأتراك، وجال بنفسه في نواحي الأقليم محرضا على الثورة.. ودارت المعركة بين الجانبين في ال16 سبتمبر1798، و استطاع الفرنسيون بقيادة “فيال” صد هجمات الثوار، وردهم إلى قرية “الشعراء” بنواحي دمياط، لكن المدد وصل للثوار المتمترسين فيها عبر بحيرة المنزلة، لكن الجنرال “أندريوس” استطاع اقتحام “الشعراء” والاستيلاء عليها كما استولى على عدد من سفن الثوار وأضرم فيها النيران، فقام الأهالي بإخلاء القرى المتاخمة، وتراجعوا نحو مدينة المنزلة.. وبلغ من غضب الفرنسيين مما حدث أن جهزوا حملة برية تتحرك من المنصورة، وأخرى بحرية تتحرك من دمياط للقضاء على الثوار، واعتقال قائدهم واحتلال المنزلة.. وخرج رجال المطرية بمراكب الصيد واستطاعوا رد الحملة الآتية من دمياط، ودار القتال برا وبحرا لأيام بين شد وجذب إلى أن استطاع الفرنسيون دخول المنزلة في السادس من أكتوبر، بعد أن أخلاها “طوبار” من الأهالي، ثم احتلوا المطرية بعد أن غادر “طوبار” الإقليم متجها إلى غزة التي قضى بها أكثر من عام، ليعود عام1800، ويلقى ربه ويدفن في ثرى الإقليم الذي شهد بطولاته.

وقد ذكر عبد الرحمن الرفاعي في تاريخه “أن مدينة المنزلة تم احتلالها في 6 أكتوبر سنة 1798م حيث وصلت إليها كتيبة فرنسية بحثا عن حسن طوبار ورجاله إلا أنهم لم يجدوا في المدينة إلا الشيوخ والعجائز من النساء بعد ما أخلاها حسن طوبار ولكنها لم تسلم من نهب الجنود الفرنسيين وعبثهم مما جعل الجنرال داماس المكلف بالقضاء على طوبار وثورته يصدر أوامره المشددة لمنع النهب أما الجنرال أندريوس المكلف من قبل نابليون مباشرة لتحسين مصب النيل والسيطرة على دمياط واتخاذها موقعا حربيا وكذا دراسة بحيرة المنزلة لاستخدامها استراتيجيا في عملياته العسكرية وهجومه على كلا من مصر وسوريا؛ فقد مضى بأسطوله في البحيرة وأقلعت مراكبه من دمياط يوم 3 أكتوبر قبيل الفجر صوب المطرية وقطع الأسطول المسلح بالمدافع هذه المسافة في 8 ساعات ولكنه ذهل من هول ما رأى فقد فوجئ بأسطول بحري مكون من 100 مركب يخرج من خلف الجزر التي تحجبها بالقرب من المطرية وقد أقبل الصيادون من أهالي المطرية ومعهم أعوان حسن طوبار على ظهر هذه المراكب قاصدين إغراق مراكب وسفن الفرنساوية وأطلقت المراكب المصرية النار على العدو فنكص راجعا فرارا من الموت المحقق والهلاك على أيدي المصريين إذا حاول المقاومة وتبادل الأسطولان إطلاق النار حتى أرسل الليل ظلامه فكف الفريقان عن ذلك وبلغ من بأس الصيادين واستبسالهم في القتال أن أرسل أندريوس إلى نابليون رسالة يقول فيها “أن استبسال العدو في الهجوم على دمياط يثبت أهمية هذا الموقع ويظهر أن الأنباء التي كانت وصلتنا عن قرب هجوم أهل المطرية والمنزلة على دمياط وانتظار حسن طوبار المدد من سوريا لم تكن بعيدة عن الحقيقة لأني لا أعتقد أن الهجوم الذي فوجئنا به في البحيرة يستطيع أن يقوم به جماعة من الصيادين فلا يمكن لمثل هؤلاء أن ينظموا مثل هذا الهجوم ويحكموه بمثل الحالة التي شاهدناها”.

ويضيف الرافعي أنه بعد احتلال المنزلة والمطرية في يد قوة بقيادة الكولونيل جازلاس ثم وصلت إليها السفن الفرنسية من طريق بحيرة المنزلة بعد أن أخلاها أهلها وغادروها على ظهر مراكبها قضى احتلال المنزلة والمطرية على قوة المقاومة التي كان يديرها حسن طوبار فلم يجد أمامه سوى الهجرة إلى غزة وبذلك انتهت تلك الحركة الواسعة المدى التي أقلقت بال الفرنسيين زمنا وكان ذلك في أواخر أكتوبر سنة 1798 وكان تطوع أهالي المطرية بأسطولهم البحري المكون من أكثر من مائة مركب صيد إيذانا بمولد حمية وطنية تم توظيفها مع مرور الزمن للدفاع عن أرض مصر بكافة الطرق وشتى الوسائل في أصعب الظروف وأشد المواقف خلال الحروب التي خاضتها مصر لاحقا مع أعدائها فكان أهالي المطرية دائما على أهبه الاستعداد لبذل كل غال ونفيس للدفاع عن مصر.

لقد سطرت تلك المدن أروع صفحات النضال الشعبي ضد المحتل الغاشم الذي عاد بعد ذلك إلى بلاده خائبا بعد أن فقد أكثر من نصف جنوده على أرض مصر التي صارت لهم مقبرة بعد أن كان ظنهم أنها ستكون جنتهم الموعودة.