مدن مصرية على خط المواجهة (3) دمياط.. مدينة الرباط الصامدة

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

تامحيت أو تم آتي أو تاميات أو تامياتس.. أرض الشمال.. بلد مجرى الماء.. إنها مدينة دمياط التي يعود تاريخ وجودها لأكثر من أربعة آلاف عام وفق بعض التقديرات، وقد ورد ذكر المدينة في التوراة باسم كفتور التي كانت تطل على البحر وكانت ذات أسوار منيعة، وبها أبراج حربية؛ لكن المدينة نقلت إلى مكان آخر يبعد عن البحر نحو أربعة أميال لتكون أكثر تحصينا أمام هجمات الأعداء المتوالية، وكان ذلك في عام 1260م في عهد السلطان الظاهر بيبرس البندقداري كما ورد في دائرة المعارف البريطانية.

تتضارب الأقوال حول دمياط في كتابات الآثاريين، وفي كتب الرحالة الأوروبيين؛ فيكثر الخلط بينها وبين تنيس والفرما، كما يخطئ البعض في الحديث عن فرع النيل بها على أنه الفرع البيلوزي الذي انطمر وكان في العهود القديمة أوسع وأعمق من فرع دمياط، وكان يصب في البحر المتوسط عند مدينة الفرما..ويذكر المؤرخ “سترابون” الذي زار مصر عام 24ق. م أن فرع دمياط المسمى بـ “الفاتنيتي” كان ترتيبه الثالث من كيث الكبر والاتساع بعد الفرعين البيلوزي والكانوبي.

وفي العام509م تعرضت المدينة لهجمات متوالية من البيزنطيين؛ لكنها صمدت أمام ذلك الغزو.. ويذكر ساويرس بن المقفع أن المدينة وقعت في أيدي الفرس في الفترة بين 616،622م بعد أن هزم الملك الفارسي خسرو جيش الروم واستطاع الاستيلاء على مدن الساحل من الشام حتى الإسكندرية التي أحدث بها مقتلة عظيمة راح ضحيتها 80ألف رجل.

في الفتح العربي لمصر عام640م تصمد دمياط أمام الجيش الذي أرسله ابن العاص بقيادة عمير بن وهب الجمحي، ولم يستطع العرب دخول المدينة إلا صلحا بعد اتفاق عمرو وقيرس.. ثم جاءت القبائل العربية إلى مصر، فكانت دمياط وتنيس من اختيار قوم نصر بن معاوية من هوازن.

وثم كان أن اغار الروم على المدينة غارتين مدمرتين كما يذكر المؤرخ المقريزي: الأولى كانت في سنة709م وأسر فيها الروم حاكمها خالد بن كيسان، وأرسل على ملك الروم الذي أرسله للوليد بن عبد الملك من أجل الهدنة التي كانت بينه وبين الروم.. وقد فشلت هذه الحملة، لكن أساطيل الروم عادت ثانية إلى دمياط بعد نحو ثلاثين سنة ، وبلغ عدد سفن تلك الحملة 360مركبا، ونزل الروم إلى المدينة فعاثوا فيها فسادا وأكثروا من السلب والنهب والقتل.. وقد شهدت المدينة أربع غارات بيزنطية خلال القرنين التاسع والعاشر انتهت كلها بالفشل.

وكانت دمياط مركزا هاما للثورة التي قام بها القبط على حكم بني أمية بعد أن عمت المظالم البلاد خاصة في عهد الوالي عبد الله بن عبد الملك الذي أبطل اللغة القبطية من الدواوين، وعزل المصريين من الوظائف، وتبعه قرة بن شريك فكان أشد منه ظلما.. ثم قد مصر حنظلة بن صفوان في ولاية هشام بن عبد الملك، فبالغ في التشديد على النصارى وزاد في الخراج.. فكانت الثورة في 726م عندما ولّى هشام رجلا يدعى الحر بن يوسف على مصر واستمرت ولايته ثلاث سنوات، وقد حاول الرجل إخماد نار الثورة المصرية التي ظلت مشتعلة لثلاثة أشهر متتالية، وفلما لم يستطع افتعل خلافا مع صاحب خراج مصر واستعفى من الولاية.

وفى عهد الخليفة العباسي أبو الفضل جعفر المتوكل على الله في سنة 238هـ قام الروم بغزو بحرى مفاجئ على دمياط، عندما أرسلوا ثلاثمائة مركب وخمسة آلاف جندي إلى شاطئها، نزل الجنود المدينة وقتلوا من أهلها خلقا كثيرا، وحرقوا المسجد الجامع والمنبر، وأسروا نحو ستمائة امرأة مسلمة، وأخذوا كثيرا من المال والسلاح والعتاد، ولم يستطع اهل المدينة ردهم؛ لكنهم ما لبثوا أن عادوا إلى بلادهم محملين بما نهبوه.

وفي عام 853م في عهد الخليفة المتوكل العباسي، وفي ولاية عنبسة بن إسحق على مصر، غزا الروم المدينة بنحو ثلاثمئة سفينة، وأعملوا القتل في أهلها في غيبة حاميتها التي كانت في الفسطاط تشترك في بعض الاحتفالات، وكان عنبسة قد غضب على قائد دمياط أبي جعفر بن الأكشف، وسجنه بأحد الأبراج.. فلما رأى أهالي المدينة ما حدث أسرعوا إليه وأخرجوه من محبسه، فنظم الجند ودافع عن المدينة، ودحر الروم عنها بعد أن أوقع بهم الهزيمة.

وفي العام 1170م وصل الفرنجة دمياط خلال الحملات الصليبية الأولي وحاصروا المدينة برا وبحرا وأرسل صلاح الدين الأيوبي إليها الجند عن طريق النيل، وأمدهم بالسلاح والذخيرة والمال. ولما بلغ صلاح الدين قصد الإفرنج دمياط استعد لهم بتجهيز الرجال وجمع الآلات إليها ووعدهم بالإمداد بالرجال إن نزلوا إليهم وبالغ في العطايا والهبات، ثم نزل الإفرنج عليها واشتد زحفهم وقتالهم عليها وهو يشن عليهم الغارات من خارج والعسكر يقاتلهم من داخل فانتصر عليهم فرحلوا عنها خائبين فأحرق عتادهم ونهبت آلاتهم وقتل من رجالهم عدد كبير. كما خرج نور الدين من دمشق لقتال الصليبين الذين اضطروا للرحيل بعد أن غرق لهم عدد من المراكب وتفشي بينهم المرض.

وفي 30 مايو 1218م وصلت طلائع الحملة الصليبية الثانية بقيادة جان دي برين أمام عند دمياط لمنازلة جيش الملك الكامل الذي تجمع أمام المنصورة وكان يفصل بين الجيشين فرع دمياط وبحر أشمون، وقطع الملك الكامل الطريق بين الفرنجة ودمياط. وشيد تحصينات قوية أعلى النيل جنوب دمياط، وطلب الفرنجة الصلح علي أن يخرجوا من دمياط والبلاد كلها.. ورحل الفرنجة إلي بلادهم ودخل الملك الكامل دمياط وأرسلت البشائر بتحرير دمياط إلي جميع الدول الإسلامية.

ثم كان أن عاود الصليبيون غزو دمياط  وكان علي رأس الحملة الملك لويس التاسع مللك فرنسا ووصلت الحملة شواطئ دمياط في الرابع من يونيه 1249م.. وضرب شعب دمياط أروع الأمثلة للبطولة والتضحية في مقاومة الحملة الصليبية حتى توالت الهزائم علي جيوش الفرنجة من هزيمتهم في فارسكور إلي هزيمتهم في المنصورة، وأسر لويس التاسع ملك فرنسا وتم سجنه في دار بن لقمان بالمنصورة وفدي نفسه ورجاله بمبلغ 400 ألف جنيه مقابل الجلاء عن دمياط. ولقد تم الجلاء في يوم8 مايو 1250 ميلاديا وأصبح هذا اليوم عيدا قوميا لدمياط.

لقد كانت المدينة البيضاء ذات الطبيعة المتنوعة التي جمعت بين ثقافة البحر والنهر و الفأس والشباك والمطرقة.. قادرة على مر الزمان على صنع العجائب.. ومازال في جعبتها المزيد والمزيد.