قصة الصراع الصوفي السلفي (3)

( معركة العقل و التأويل)

في العصر العباسي أرهبت جماعة من المتدينين المحافظين موجات جارفة من استخدام العقل في قراءة النص الديني، فاحتمت بظاهره وتقوقعت في الماضي حين اهتز الواقع تحت فهمها التقليدي والسطحي للعقائد الدينية ، فمع نهاية القرن الثاني الهجري ومطلع الثالث كان هناك عدد من الفرق يعتمدون التأويل اعتمادا شبه كلي أما أولها فهي فرقة المعتزلة التي ترجع نشأتها إلى تلك القصة الدرامية في مجلس الحسن البصري حيث اعتزل مجلسه واصل بن عطاء، وانضم إليه عمرو بن عبيد وبذلك نشأة فرقة المعتزلة.

أعلن المعتزلة اعتمادهم على العقل في إثبات وجود الله، وفي تقرير القضايا الإيمانية، واعتمادهم على العقل في تأويل الآيات القرآنية التي تفيد التشبية والتجسيم وغيرها من الصفات التي لم يرونها تليق بذات الله.

من ناحية أخرى كان التصوف الإسلامي قد بدأ يتحول من طوره الأخلاقي الذي يقوم على الزهد والتقشف، إلى الطور العملي والفلسفي الذي استفاد في بعض جوانبه من التيارات الروحية التي عرفت في ديانات وفلسفات الشرق القديم، لاسيما عند الحارث المحاسبي (243ه)، وأحمد بن خضروية البلخي (240 ه)، وأبا حمزة الطوسي (245 ه)، وذا النون المصري (246)، وأبا يزيد البسطامي (264)، وقد سعى التيار الروحي إلى استشفاف الجانب الروحي والباطني في الأحكام الشرعية، فلم يكن يرضيهم –من وجهة نظرهم- أن يتحول الإسلام إلى مجموعة من القواعد والرسوم والحركات، لذلك سموا الفقهاء تلك التسمية الشهيرة (بأهل الرسوم)، بينما أصبحوا هم أهل الحقائق والمكاشفات.

ولم يشذ عن التعويل على العقل حتى أهل الفقة، فلقد كان الإمام أبو حنيفة (150 ه) قد خطى خطوات واسعة في تأسيس الحياة العقلية في الإسلام، والذي عرف مذهبه بمذهب أهل الرأي.

كما كان الاعتماد على التأويل ركيزة أساسية للعديد من فرق الشيعة، والفرق الباطنية، والخوارج، والغلاة التي اختارت بعض المذاهب القديمة وأرادت صبغتها بالصبغة الإسلامية، فلجأت إلى التأويل لكي تجد لعقائدها في القرآن موضعا تبرر به هذه العقائد، وتستند إليها في محاولة الانتشار.

إلى جانب ذلك كله كان الفلاسفة يخطون خطواتهم في سبيل نقل الفلسفة اليونانية إلى الثقافة الإسلامية، ولم يكن لهم من سبيل إلى ذلك سوى الاعتماد على المنهج العقلي، ثم انشغل هؤلاء الفلاسفة بمحاولات التوفيق بين الأفكار المنقولة عن الفكر والتراث اليوناني، وبين العقائد الإسلامية، كمحاولة استخدام مناهج الاستدلال العقلي في إثبات وجود الله، أو التوفيق بين بعض نظريات الثقافة اليونانية والعقائد الإسلامية كما شهدنا عند الفارابي (260ه- 339ه)، ومن بعده ابن سينا المتوفي 427 هـ في فلسفته الإشراقية، وأصبحت الثقافة الإسلامية تعج بمصطلحات الفلسفة اليونانية مثل الجوهر والعرض والطفرة والتولد يستخدمها الفلاسفة أنفسهم، أو مقلديهم من ذوي الميول الكلامية كالمعتزلة.

بات واضحا أمام جماعة من الفقهاء –لاسيما الحنابلة – إذا أن هؤلاء على اختلاف تياراتهم وتوجهاتهم سيحاولون قراءة العقائد الدينية معتمدين على منهج التأويل للوصول إلى النتائج التي توافقهم أو تدعم انتماءاتهم، ومن ثم لم يألوا جهدا في رفض هذه المنهجية في قراءة النصوص القرآنية، جاعلين من القرن الأول الهجري معيارا تقاس عليه القضايا التي يثيرها المتكلمون وغيرهم من الطوائف الإسلامية لإقرارها أو لرفضها باعتبارها بدعة، فإذا لم يكن النبي- صلى الله عليه وسلم- وصحابته أو الصحابة وتابعيهم قد تناقشوا في هذه القضايا فهي مرفوضة لأنها بدعة لا أصل لها ولا قيمة، إذ لو كانت من جوهر العقيدة الإسلامية لكانت أثارها النبي وصحابته وإلا لكانت عقائدهم ناقصة ومحال عليه –صلى الله عليه وسلم- وصحابته ذلك، وبطريقة أخرى لو كان النبي يعلمها وسكت عنها فأولى بنا السكوت عنها، وإن كان (صلعم) يجهلها فمن أين لنا بها؟.

كانت هذه هي المنهجية التي اعتمدها جماعة من الفقهاء الحنابلة سيتسمون فيما بعد بالسلف – في مواجهة التشعبات والاجترائات الفكرية التي انتابت المجتمع الإسلامي مخافة الانحراف بالعقيدة عن بساطتها ووضوحها، وفتح السبيل أمام تسربات العقائد الأخرى لاسيما وأن الحركات الشعوبية، والقوميات القديمة التي انصهرت في الثقافة الإسلامية، كانت لا تزال في نفوسها من الإسلام والعروبة الكثير، لذلك يحلو للبعض القول بأن ( السلفية ظاهرة عباسية)

وهو ما ذهب إليه الشيخ أبو زهرة في كتابه “تاريخ المذاهب ” حين يعرف السلفيين بأنهم “أولئك الذين نحلوا أنفسهم ذلك الوصف، وأولئك ظهروا في القرن الرابع الهجري، وكانوا من الحنابلة، وزعموا أن جملة أرائهم تنتهي إلى الإمام أحمد بن حنبل الذي أحيا عقيدة السلف وحارب دونها، ثم تجدد ظهورهم في القرن السابع الهجري ، أحياه شيخ الإسلام ابن تيمية، وشدد في الدعوة إليه، وأضاف إليه أمورا أخرى قد بعثت إلى التفكير فيها أحوال عصره”.

كان رفض السلفيين للتأويل رفضا قاطعا، وهو ما يعني عدم وجود أي مساحة مشتركة للتلاقي مع المتصوفة، وإذا سلمنا جدلا مع ابن كثير الذي أورد في ترجمته للإمام أحمد بن حنبل في كتابه ( البداية والنهاية) بأن الإمام أحمد بن حنبل (الجد الأكبر للسلفية) قد مارس التأويل عندما لجأ إلى تأويل قوله تعالى “وجاء ربك والملك صفا صفا” أنه جاء ثوابه ، فإن تلاميذه ومدرسته المتمثلة في بعض الائمة ك أبو الوفاء بن عقيل (431- 513)، وأبو الفرج بن الجوزي (510ه- 597ه) وابن تيمية (621-728)، وابن قيم الجوزية (691-751)، ونتيجة لموقف هؤلاء القاطع من عملية التأويل التي مارسها المتصوفة فسوف يناصبونهم العداء، ويهاجمون ممارساتهم وطقوسهم وحتى عقائدهم ، بل ويعتبرها بعضهم من تلابيس إبليس على ما سيرد في السطور القادمة.