في ذكرى هيكل الثانية: أوراق ساعة الرحيل

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

مرت سنتان على رحيله، كأنهما يومان أو بضعة أيام، فمثله لا يمكن أن يغيب، حاضر بما له وبما عليه، يفتقده البعض، ويتفقد آراءه التي كان يمكن أن يقولها فيما جرى وما يجري، والبعض الآخر لا يكاد يذكره بغير التجني عليه.

مضى محمد حسنين هيكل إلى حيث نهاية كل إنسان، وبقي كما يبقى كل أصحاب الأدوار الكبيرة، في مشهد النهاية قبل الانصراف الأخير بدا شجاعاً في مواجهة مصيره المحتوم، قرر أنه لم يعد يطيق أن يعيش على الأجهزة الطبية تحيط به من كل جانب، وأراد أن ينفرد بنفسه في لحظاته الأخيرة، طلب ألا يدخل عليه أحفاده، وهم الذين يشعر تجاههم بنقطة ضعف ملؤها المحبة، وحدها رفيقة عمره التي أمكنها أن تعيش معه لحظة الفراق، وحين قرر أن يخلع بنفسه “أوصال” الأجهزة المركبة في جسده بدا وكأنه قرر أن يكتفي بما قضاه معنا من سنين عمره التي عاشها بالطول والعرض والعمق والارتفاع، شغل فيها الدنيا والناس جميعاً، كرجل عاش عصره حتى النخاع، واكب أهم وأخطر أحداث وحوادث التاريخ المعاصر، كان دائما في قلب الحوادث، وكان كثيراً بالقرب من صناع الأحداث، وظل طول الوقت شاهداً ومتابعاً ومشاركاً في كثير من الأحيان، لكن من موقعه الأثير لديه، الذي اختاره لنفسه من اللحظة الأولى لانطلاق مسيرته المهنية، موقع “الجورنالجي”.

وفي وداعه الأخير للعالم بدا أن محمد حسنين هيكل ينظر في غضب إلى ما حوله، لم يكن راضياً عما يجرى فوق السطح، ولا كان مرتاحاً لما يدبر في كهوف السياسة الدولية وأكواخ السياسة الإقليمية، وكان قلبه مشفقاً مما يدور في ربوع الوطن العربي الذي تتناوشه الأخطار من كل حدب وصوب، وبدا غير مستريحٍ لما يدور على أرض مصر، بلده الذي أحبه وعمل في خدمته طوال عمره الطويل، كانت مصر أمامه في نظرة وداعه الأخير وهو يغادر الحياة فوق أرضها ليسكن جسده ثراها، تبدو مشدودة إلى الماضي بأكثر مما تبدو مدفوعة إلى المستقبل.

كان أمله، وقد عاش فوق ما يتوقع، أن يجيء اليوم الذي يراها فيه وقد تركت أحزانها التي طال مكوثها، لتصنع أفراحها التي طال انتظارها، فغادر منصرفًا وقلبه ـ رغم الحزن ـ مفعم بالتفاؤل بوطن عربي قادر على أن يمسك بحاضره وعلى أن يتطلع إلى بناء مستقبله، ويحدوه الأمل في أن تستعيد مصر نفسها لتستعيد رسالتها ودورها وتأثيرها المرتقب منذ انكفأت على نفسها تعاني لزمن طال شاخت فيه السلطة فوق مقاعدها.

**

محمد حسنين هيكل مثل الظواهر الكبرى، لا يتكرر إلا بمضي الزمن، ولا يمكن إعادة إنتاجه إلا بإعادة إنتاج الظروف نفسها التي جادت به، عاش قصة بطولة تعددت فيها الأدوار، والحق أنه أداها جميعا باقتدار:

دوره الصحافي الكل يشهد له، ويكفي أنه الصحافي العربي الوحيد الذي يدخل في عداد ألمع صحافيي العالم الذين يعدون على أصابع الأيدي، حاز لقب رئيس التحرير، وامتطى الموقع وجلس على مقعد محمد التابعي أستاذه في المهنة وهو ابن التاسعة والعشرين من عمره، ثم كان هو الذي ارتفع بعد ذلك بجريدة “الأهرام” من هاوية سحيقة سقطت فيها، فارتفع بها إلى مصاف الصحف الكبرى في العالم، وأعاد إليها شبابها بعد أن شاخت، وجعلها جريدة عصرية بكل معنى جميل للكلمة.

ودوره كشاهد على العصر أتاحت له الظروف وشاءت له المقادير ما لم تتحه لغيره وقد أداه على أكمل وجه، وفي أفضل صورة، وكان الوحيد الذي قدم إسهاماً جاداً ونافعاً في هذا المجال، وما فعله ـ للحق ـ يعد إنجازا للمهمة التي كلفه بها جمال عبد الناصر، مهمة كتابة تاريخ ثورة 23 يوليو 1952، وكان هو الأجدر بالقيام بتلك المهمة، والأيام أثبتت ذلك عن يقين.

لم يكن هيكل قصة قصيرة، وأثبتت الأيام أنه رواية طويلة قام فيها بأكثر من دور بطولة مطلقة، وهو يكتب، ويروي، ويتحدث، يظل مصرا على تأكيد أحد أدواره، يعطيها الأولوية، وإن لم يحاول إخفاء الأدوار الأخرى، إلا أنه يحب التركيز على الدور الذي يرتضيه لنفسه: دور الجورنالجي.

“الجورنالجي” عند هيكل ليس هو عند غيره، فهو من مدرسة مهنية ترى أن الصحافة تاريخ تحت الصنع، وترى الصحافي وثيق الصلة بصناع الخبر، وترى نفسها جزءا من صناعة الخبر، وليس مجرد أداة لإذاعة الخبر ونشره.

ورغم أن مدرسة هيكل الصحافي ترى “الصحافة” جزءا من الحياة السياسية خاصة في البلاد المتخلفة، لكنه كان يصر دائما على أن يكون دور البطولة المسندة إليه في الصحافة، وأن يبقى دوره السياسي جزءا من دوره الصحافي، ولا يطغى عليه، وظل مصراً على أن يجعل الصحافي هي صفته الأولى، أو صفته التي تستوعب صفاته الأخرى، حتى ولو أصبح وزيراً للإعلام.

والحق أن ذكاء هيكل، وليس حبه للمهنة فقط، هو الذي جعله يتمسك بصفة الصحافي، ويبعد نفسه قدر الطاقة عن لعبة السلطة، وهي لعبة لا تعرف غير الحركة قانوناً للاعبيها، مواقعهم متحركة، أوضاعهم متحركة، درجات نفوذهم متحركة، يصعد الواحد منهم لكي يهبط، ويهبط الواحد منهم لكي يواريه النسيان، لكن الصحافي، خاصة الكفء، الموهوب، القريب من صاحب السلطة والقريب خاصة من عقله، فله موقع مختلف في لعبة السلطة، موقع يعتمد على مواهبه، أكثر مما يعتمد على نفوذه، موقع يعتمد على ممارسته للدور المؤهل له، أكثر مما يعتمد على أداء الدور المطلوب منه، لأن الدور المؤهل له ينتدبه، أما الدور المطلوب منه فيمكن أن يطلب من غيره.

**

اختط هيكل لنفسه طريقه وسط غابات العلاقة الشائكة قرب قمة السلطة، استغل في ذلك قربه إلى جوار جمال عبد الناصر لكي يغلق دائرة الاتصال بينه وبين كثير من رموز النظام أفراداً ومؤسسات، وأسدل «ستارة سوداء» بينه وبين هؤلاء المتنفذين في السلطة تحت قيادة عبد الناصر، يقول: «كنت حريصاً كل الحرص على ألا ينقل عني إليه شيء، وألا أنقل منه إليهم أي شيء».

ستارة سوداء حافظت على صفاء العلاقة بينه وبين عبد الناصر من تدخلات «الوشاة»، وحفظته من حقد الحاقدين على عمق العلاقة التي ظلت تتطور باستمرار حتى آخر أيام عبد الناصر.

ستارة سوداء أتاحت له أن يظل قريباً من أذن وقلب وفكر الرئيس، منفردا، متعاليا على طاقم الرئيس، وفصلته عن أن يكون واحدا من أفراد طاقم الرئيس، يصارعونه على موقع أو ينافسونه على سلطات.. وصل الأمر إلى أن بعض رجال الرئيس أسبغوا عليه صفة التعجرف، وكان هو واعيا بذلك، وقال: إنه اختار أن يوصف بالعجرفة بدلاً من أن يدخل في حلبة الصراع بالقرب من رأس النظام.

كان قد اقترب من الرأس والتصق بها، وأسدل «الستارة السوداء» على العلاقة، لا يقتحمها متطفل، أو يطلع عليها متطلع إلى الموقع الذي بناه وئيدا طوال سنوات بدأت مع الثورة في سنة 1952، وظل يكبر طول الوقت حجماً ومساحة حتى ساعة الرحيل.

**

وهو، ربما تأكيداً لدوره السياسي، يرى أن الصحافة المصرية والعربية لعبت في بلادنا أدوارا ـ بالطبع سياسية ـ بالغة الأهمية والجلال، وهو هنا كأنه يتحدث عن دوره، أو هو حديث عن النفس أكثر منه حديثا عن الصحافة بعمومها، أو عن الصحافيين بعامتهم، وأثبت بالتجربة أن ما يستطيع القيام به متاح خارج السلطة بقدر ما هو متاح داخل السلطة، وأن السلطة لم تعطه موهبته، بل إن موهبته هي التي جعلته قريبا منها، بل جعلت السلطة تحرص على أن يكون قريبا منها.

هيكل تجربة فريدة في نوعها، اقترب من السلطة حد الالتصاق وحافظ على القدر المناسب من استقلاليته بما لم يفعله أحد من قبل، واندمج في لعبة السياسة لكنه حافظ على فعل الكتابة اليومي، حتى صارت الكتابة هي حياته، والذين يعرفون هيكل عن قرب يشهدون بأنه وهو ابن التسعين ظل ولعاً بمهنته من هيكل ابن الثامنة عشرة لحظة رأى اسمه لأول مرة مطبوعا على ورق، أكثر من تسعين عاما عاش أغلبها بين الأحبار والأوراق، لم يكن يعرف معنى للوقت الضائع، يعمل بدأب ونظام كأنه آلة مبرمجة، يقرأ أكثر مما يكتب، ويكتب بعمق ما يقرأ، يقطر رحيق كتابته مثل نحل لم يبخل بالسعي ساعات النهار من زهرة إلى أخرى، ومن بستان إلى غيره، ليضع رحيقا مختلفاً ألوانه، وطازجا كأنه ابن ساعته.

93 عاماً قضى منها ما يزيد على الستين عاماً وهو معنا، لم يغب عنا لحظة واحدة، نحن صنعناه على أعيننا، هو بعض قناعاتنا، هو هذه العبارات التي صارت بعض كلامنا اليومي، لذلك فهو ليس لحظة عابرة، ليس وقتا ويمضي، مثله يبقى بيننا، ولا يتركنا، وهو إذا اعتزلنا ثم غادرنا يبقى معنا مبثوثاً في صفحات كتبه وبين سطور مقالاته، عصياً على الغياب، غيب من قبل عن التواصل معنا، سكت أحيانا أو أسكتوه، ولكنه بقي معنا، وظل يكتب لنا، عاش حياته في أغلبية سنواتها يكتب، كان يجلس مع عبد الناصر فيكتب، ويتركه ليعود إلى مكتبه، ليكتب وقائع ما جرى قبل دقائق حتى لا تخونه الذاكرة إذا ما حاول الرجوع إلى ما كان. يحادثه عبد الناصر بالهاتف، فيكتب هيكل رؤوس الموضوعات وعناوين جرت مناقشتها، يغلق عبد الناصر الهاتف، فينكب هيكل على كتابة تفاصيل ما كان في لقاء الهاتف، يذهب هيكل إلى نومه ومعه قلم وورقة وكتاب، لم ينم مرة إلا بعد أن يقرأ، ولم يقرأ مرة إلا وأتته فكرة، وإذا هاجمته الفكرة كتبها حتى لو نداء النعاس يصرخ من تحت غطاء النوم، وهو وزير، يحضر اجتماعات مجلس الوزراء، وعبد الناصر يرأس الاجتماع، والحديث مفتوح حول موضوعات بالغة الأهمية، بالغة السرية، يسمعه عبد الناصر يقول من على طرف المائدة:

– هذا يصلح مانشيت الأهرام غدا.

فيحذره عبد الناصر:

– إحنا في إيه، وأنت في إيه؟

كانت الصحافة تجري فيه مجرى الدم، ولم يتوقف الصحافي الذي بداخله عن العمل إلا لحظة توقف قلبه عن أن ينبض بالحياة.

**

تجاوز هيكل موقعه كصحافي ليصبح شخصية ذات وزن تاريخي متعدد الوجوه والأدوار، ولكنه ـ للحق ـ كان حريصاً على صفة الصحافي في كل مراحل تطور أدائه العام.

لعل هيكل الصحافي كان هو البداية إلى هيكل الآخر، هيكل المتعدد الأدوار، وللبدايات ـ دائماً ـ طزاجتها التي يبقى طعمها في الفم طويلاً، ويعود إليها الحنين كثيراً.

هيكل الصحافي كان هو نقطة الانطلاق.

لم يكن محل إجماع، فهو ككل أصحاب الأدوار المميزة، ظل محل خلاف وانقسم الناس من حوله؛ إما معه وإما عليه، الذين معه اختلفت أسبابهم، والذين عليه تعددت ثاراتهم، وبالغ بعض الذين معه حتى جعلوا منه رجلاً لا يشبهه، وبالغ أكثر الذين ضده حتى حولوه إلى رجل لا شبيه له.

رجل بهذه التجربة التي امتدت وعاصرت الأحداث منذ منتصف الأربعينات حتى الآن، يكاد يكون من المستحيل اختصاره فيما حاول مادحوه وناقدوه أن يختصروه، ويختصروها.

اختصاره ـ على الوجهين ـ المديح أو التجريح، سيبقى اختصاراً مخلاً، وحذفاً من السياق، وتجنياً على الحقيقة.

ولا يمكن فصل نجاح هيكل عن العصر الذي برز فيه، ولا عن الدور الذي أنيط به، ولا عن الرجل الذي التصق به.

نجاح هيكل جاء في عصر كانت مصر فيه هي صاحبة الدور المحوري في منطقتها، ومن ثم في العالم كله، والتصق هيكل بالرجل الذي كان له الفضل في أن تلعب مصر هذا الدور.

وتفوق هيكل في أداء دوره المطلوب في ظل الدور الذي لعبته مصر في ذلك الوقت.

وهكذا أصبح لنجاح هيكل أصداء واسعة، في العالم، وفي وطنه العربي، وفي بلده مصر، وهو نجاح أكبر من نجاحات يحققها أشخاص أكفاء في ظروف مواتية، كما كانت ظروف هيكل مواتية، وكان يتقدم في عالم السياسة بقدر ما يتقدم في عالم الصحافة أو بالتوازي، خالط الصحافة بالسياسة وخلط السياسة بالصحافة، قال مرة ليوسف إدريس أنه يمارس السياسة كصحافي، ونقول نحن أنه كان يمارس الصحافة كسياسي، ولكنه ـ للحق ـ ظل وفياً لكونه صحافيا أولاً، عارفاً بأن هذه هي نقطة قوته، نقطة تميزه عن الآخرين، وبقي يردد دائماً، بمناسبة ودون مناسبة: “أنا مجرد جورنالجي”.

“جورنالجي” ظل مخلصاً للصحافة كما خبرها ممن تعلم منهم، أو تعلق بهم في بدايات حياته العملية، تلك الصحافة المختلطة بالسياسة، والتي تعرف للصحافي دوراً في صناعة الأحداث التي يكتب عنها أو يتابعها عن كثب.

وظل مخلصاً لنموذج أستاذه التابعي، صحافيا قريبا دائماً من مصانع الأخبار ومن مسارحها، قريبا ـ دائماً ـ من القمة حيث تطبخ “الأخبار” وربما يشارك في إضفاء “لمحة” خاصة عليها تكسبه دوراً وأهمية وتزيده قرباً من القمة.

**

صعد على سن قلمه لكي يقترب من قمة السلطة حد «الالتحاق» في عهد عبد الناصر، ثم كاد يكوي بنار القرب الشديد في ظل صراع محتدم ومكتوم على السلطة مرتين كانت الأولى قبل هزيمة يونيو سنة 1967، واستمرت إلى انتحار المشير عبد الحكيم عامر، وكانت الثانية طوال الفترة من رحيل عبد الناصر نهاية سبتمبر سنة 1970، إلى انقلاب السادات منتصف مايو سنة 1971.

كان انحيازه في المرة الأولى إلى جوار عبد الناصر في مواجهة تنامٍ غير مأمون العواقب في حجم الدور الذي تلعبه القوات المسلحة وفوقها عبد الحكيم عامر في الحياة المدنية.

ثم كان انحيازه في المرة الثانية إلى أنور السادات في مواجهة من أسماهم مراكز القوى، التي كانت تقلص هيمنة الرئيس على القرار السياسي، وتهدد بضرب تأثير هيكل نفسه على صانع القرار.

وبدأت دراما العلاقة مع السلطة الجديدة، سلطة أنور السادات بالاقتراب حد «الالتصاق»، تحت عنوان «توحد المقاصد»، الذي جمع بينهما في تلك الآونة، وانتهى به الحال مبعداً عن الأهرام “مكانه الأثير”، بعد أقل من ثلاث سنوات، ثم مستبعداً عن أي تأثير في صناعة القرار “هوايته المفضلة”، وعن أسرار تلك الصناعة “كهنوته الخاص”، ثم مرمياً في السجن مع غيره من قيادات ورموز كل الاتجاهات المعارضة لسلطة أنور السادات في نهاية المطاف، وعندما قرر السادات أن يسجن هيكل كان يهدي إليه آخر «صنائعه» التي توج بها عنقه، وهي أنه قطع صلته بالسلطة، سواء صلة تعاون أو صلة اختلاف، ثم إنه أسبغ عليه بسجنه شرعية نضالية ساهمت في تكريس تأثيره الجديد، ذلك التأثير الناشئ عن «سلطة المثقف» التي لم يكن ذاق لها طعماً من قبل.

هيكل البعيد عن السلطة ـ بفضل السادات ـ هو هيكل جديد، تأثيره مختلف، ربما أكثر مصداقية، لكن المؤكد أنها أفضل مراحل هيكل، وهو فيها أكثر تأثيراً، لأنه التأثير الذي يبقي ـ فعلاً ـ في المستقبل.

**

وأخيراً:

ترجل الفارس في محطته الأخيرة، واستقبل الموت راضياً مردداً حكمة طالما احتذى بها في حياته: “قل كلمتك وامش”.