في انتخاب الرئيس.. النكتة قديمة والضحك إجباري

 

على طريقة “المطرب حسن البلطجي” الذي جسده الفنان فريد شوقي في رائعة “بداية ونهاية”، الذي كان يجبر الجمهور على سماعه بالقوة رغم أن صوته كان “من أنكر الأصوات”، قررت الحكومة إجبار الشعب على التصويت في انتخابات الرئاسة المقبلة بالتهديد والوعيد رغم أنها “ولا انتخابات ولا حاجة”.

فرجال الدين يتوعدون من لن يشارك في زفة الانتخابات بدخول جهنم وبئس المصير، ورجال القانون يهددونهم بالغرامة المالية، ورجال السلطة والدولة يهددون الموظفين بالعقاب وسوء المنقلب إذا تغيبوا عن أداء واجبهم الانتخابي. ورجال الإعلام واللجان الإلكترونية انطلقوا فيطعنون في وطنية من يفكر في عدم المشاركة في هذه المسرحية الفاشلة على أساس أن “المشاركة واجب مقدس” على كل وطني.

المأساة أن هذا المأزق الذي تواجهه البلاد عندما تنظم انتخابات بلا ناخبين، هو صناعة أجهزة السلطة بامتياز وليس لأحد آخر ذنب فيه، فالسلطة بأذرعها الأمنية والسياسية والإعلامية هي التي دبرت وتحركت لقطع الطريق على وصول أي مرشح جاد يمكنه جذب الحد الأدنى من الناخبين إلى هذا “العرس الانتخابي” الموعود.

فقبل أقل من 5 أعوام وبالتحديد في 2012 نظمت مصر انتخابات رئاسية تنافسية حقيقية شارك فيها اليمين واليسار والثوار والفلول والمدني والعسكري، وامتلأت لجان الانتخابات بالناخبين الذين اصطفوا في طوابير طويلة وانتظروا ساعات أطول للإدلاء بأصوات دون ترهيب ولا ترغيب. فالمسألة بسيطة للغاية إذا نظمت انتخابات حقيقية وجادة وتنافسية فلا قلق من حضور الجمهور، تماما كما يحدث في المباريات الرياضية الكبرى التي يحتشد الجمهور لمشاهدتها دون دعوة ولا تهديد، وكما يحدث في الفيلم الجيد والمسرحية الناجحة.

أما أن يصر القائمون على أمر البلاد والعباد على عرض مسرحية قديمة كل نكاتها بايخة وقديمة ويحاولون إجبار المواطنين على التفاعل معها والضحك على هذه النكات السمجة تحت سيف التهديد، فهذا هو الفشل بعينه، الذي جعل من الانتخابات مدعاة للسخرية في الداخل والخارج.

وكما هو الحال مع هذه السلطة التي “أنعم بالله بها علينا”، فالشعب يدفع ثمن أخطائها دائما. فهذه السلطة هي التي فشلت في ضمان الحد الأدنى من الجاذبية في المسرحية الانتخابية بعد أن رفضت مشاركة أي شخص حتى لو كان “نجم درجة ثانية”، خوفا من سرقة “الكاميرا” من البطل الأوحد، ولم تنتبه السلطة إلى أن المسرحية الناجحة هي التي يكون فيها إلى جانب البطل “سنيد” له وزن ويتمتع بقدر من الجاذبية، وأن وجود كومبارس واحد إلى جوار البطل يعني الحكم على المسرحية بالفشل الذريع وهو ما يحدث بالفعل في هذه الانتخابات.

وقد انتقلت أخبار انتخابات الرئاسة المصرية في وسائل الإعلام العالمية من باب الأخبار السياسية والدولية إلى باب “مواقف وطرائف” وقسم الأخبار الساخرة. وجاءت عناوين موضوعات الانتخابات المصرية في هذه الوسائل، تحمل معاني التندر والسخرية. فقد نشرت إحدى الصحف العربية “الشقيقة” عنوانا يقول “مصر تبحث عن مرشح يخسر أمام الرئيس” ونشرت وكالة أنباء دولية عنوانا يقول “مؤيد للرئيس يخوض الانتخابات أمامه”.

وبعد أن كانت أخبار معركة انتخابات الرئاسة المصرية عام 2012 تحتل صدارة اهتمامات وسائل الإعلام على مدى أسابيع وبعد أن احتلت صور اللجان الانتخابية التي احتشدت بالناخبين الصفحات الأولى للصحف العالمية وصدر نشرات أخبار القنوات التلفزيونية وصلنا إلى انتخابات 2018 حيث لا يهتم بها أحد إلا من أراد أن يسخر منها.

وهكذا تحولت الانتخابات على أيدي أجهزة الدولة ومؤسساتها إلى مسرحية هزيلة لا يهتم بها أحد، ثم تحولت الملهاة إلى مأساة بعد أن أصبح الاستحقاق الانتخابي الأهم في مصر مجرد خبر في صفحات المنوعات.