عفوا .. السياسة “مش عيب”

ممارسة السياسة ليست عيبا، وإجادتها ليست جريمة يجب التبرؤ منها. بل إن العكس هو الصحيح. فالمجتمعات التي تخلو من السياسة والسياسيين الأكفاء هي دائما مجتمعات مهزومة ومنكوبة حتى لو ادعى القائمون على أمرها غير ذلك، والتجربة الإنسانية في عصرنا الحديث تؤكد هذه الحقيقة. فالهند التي قامت على أكتاف السياسيين وفق نظام ديمقراطي رشيد أتاح للسيدة أنديرا غاندي الوصول إلى رئاسة حكومتها عام 1966؛ حققت 3 انتصارات عسكرية كبيرة على باكستان التي ظل يحكمها الجنرالات أكثر سنوات تاريخها الذي بدأ في نفس يوم بدء تاريخ الهند المستقلة حيث استقلت الدولتان عن الاحتلال البريطاني في يوم واحد.

وما حققته الصين من طفرات اقتصادية وعملية واجتماعية في ظل حكم السياسيين الذي تربوا على السياسة وأتقنوها داخل هياكل الحزب الشيوعي الحاكم، رغم غياب آليات الحكم الديمقراطي وتداول السلطة بمفهومها الغربي، يؤكد أن السياسيين وحدهم القادرون على بناء النهضة وقيادة دولهم نحو التقدم والازدهار.

في المقابل دفعت شعوب إفريقيا وأمريكا اللاتينية والدول العربية ثمنا باهظا لانفراد العسكريين بالسلطة وتهميش السياسة والسياسيين على مدى عشرات السنين بعد حصول هذه الدول على استقلالها. ولم تعرف دول أمريكا اللاتينية والعديد من دول القارة السمراء بدايات النهضة والتقدم إلا بعد أن خرجت من عباءة حكم العسكريين ومارس الحكم فيها رجال السياسة، كما حدث في البرازيل والأرجنتين، بل وحتى إثيوبيا تحت حكم رئيس وزرائها السياسي هايلا ماريام ديسالين.

إذن عندما يقول رئيس الدولة “أنا مش بتاع سياسة”، فهذا معناه أننا أمام مشكلة كبيرة، لأن رأس الدولة لا يرى أن السياسة وممارستها هي جوهر عمله على رأس السلطة، بل يراها “عيب يجب التبرؤ منه”، وإذا لم يكن الرئيس “بتاع سياسة” فكيف يمارس الحكم ويدير شئون البلاد والعباد، خاصة وأن الدستور يتحدث عن السياسة في مادته الخامسة فيقول “يقوم النظام السياسي على أساس التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمى للسلطة” وهو ما يعني أن السياسة هي جوهر نظام الحكم الرشيد.

ولمن لا يعرف، فإن السياسة في لغة العرب بحسب ما يقوله معجم “لسان العرب” تعني “القيامُ على الشيء بما يُصْلِحه” وتعني حكم الناس وتسيير أمورهم بما يحقق مصالحهم، وهذا يعني أن افتقاد ولاة الأمر لفقه السياسية أمر معيب ويهدد مصالح العباد.

وما تعاني منه مصر منذ سنوات طويلة ليس إلا بسبب غياب السياسة وتراجع دور السياسيين لصالح هؤلاء القادمين من أجهزة ومؤسسات ليس فقط لا تعرف السياسة وإنما أيضا تعاديها وتكرهها. فهذه الانتخابات الرئاسية البائسة التي وصل بها الحال إلى نشر “نداء لأصحاب القلوب الرحيمة” من أجل الترشح لخوض الانتخابات وخسارتها أمام الرئيس الذي ينفي أنه “بتاع سياسة”، ليست سوى نتيجة مباشرة لممارسات القائمين على حكم البلاد من أجل القضاء على السياسة وتفريغ المجتمع من أي شخص “تظهر لديه ميول سياسية”.

ومن يقارن بين مشهد الانتخابات الرئاسية الحالية ومشهد أول انتخابات رئاسية مزورة شهدتها البلاد عام 2005 يدرك حجم معاناة مصر من قتل السياسة وتغييب السياسيين. فعندما كان لدى مصر سياسيون في مقاعد السلطة تمت هندسة الانتخابات الرئاسية عام 2005 بما يضمن فوز الرئيس باكتساح مع وجود منافسين عديديين حتى لو كان أغلبهم قد انتخب الرئيس. وعندما تم إقصاء أهل السياسة عن دائرة الحكم وقصرها على القادمين من المؤسسات العسكرية والأمنية انتقلت أخبار الانتخابات الرئاسية المصرية في وسائل الإعلام العالمية من صفحات السياسة والبرامج الجادة إلى صفحات المنوعات والمواقف والطرائف والبرامج الفكاهية الساخرة.