رائد سلامة لـ«البديل»: مشكلة الدين الخارجي أكبر مما يتخيل البعض

الاستدانة تطعن الاستقلال الوطني.. ورفع الفائدة لن يحل أزمة التضخم

الجهاز الحكومي ليس متجانسا وهذا سبب تأجيل خصخصة بعض الشركات

الحكومة تعهدت لصندوق النقد برفع الدعم والتعويم والخصخصة

«المركزي» والحكومة يملكان قواعد بيانات تفصيلية لا يفصحان عنها

 

تشهد مصر أوضاعا اقتصادية صعبة انعكست آثارها على حياة المواطنين متمثلة في الارتفاع الجنوني لأسعار معظم السلع والخدمات، خاصة منذ قرار تحرير سعر الصرف الذي أدى إلى انخفاض كبير لسعر الجنيه أمام الدولار.

وفي ظل ضعف المنظومة الاقتصادية وتراجع الإنتاج وضعف النشاط السياحي، كان لـ”البديل” هذا الحوار مع ‏الدكتور رائد سلامة، الخبير الاقتصادي، للحديث عن الوضع الاقتصادي وارتفاع الديون والتضخم وتوصيات صندوق النقد الدولي وعجز الموازنة والخصخصة، وسياسات الحكومة الاقتصادية والمالية.

وإلى نص الحوار..

ـ كيف تري ارتفاع الدين الخارجي إلى 81.8 مليار دولار نهاية سبتمبر 2017؟

ارتفاع حجم الدين الخارجي هو مشكلة أكبر مما يتخيل البعض و أخطر مما يحاول البعض الآخر تسويقه لنا باعتبار أنه لا توجد دولة تعيش بلا ديون، هناك 3 مشكلات في هذا الأمر، أولا: مشكلة سياسية لأن الدائن عادة ما يتحكم في قرار المدين السياسي ويؤثر عليه خاصة إذا ما أخذت بالاعتبار أن ديوننا هي بالأساس مستحقة للصندوق والبنك الدوليين ولدول وحكومات تدور بشكل أو بآخر في فلك أمريكا وبالتالي فإن استقلالية القرار السياسي للمدين تتأثر دون شك بالديون فما بالك وإن كانت ديوننا بهذا الحجم الضخم.

ثانيا: مشكلة تركيبة هذه الديون ما بين قصيرة وطويلة الأجل وهو ما يضعنا في مأزق كبير، إذ تشكل الديون قصيرة الأجل جزءا كبيرا من إجمالي الدين العام الأجنبي وهو ما يجعل الحكومة –في ظل انخفاض الموارد “الحقيقية” الدولارية- تسعى للاقتراض لكي تسدد ما اقترضته في السابق وهكذا كما هو الحال في السندات على سبيل المثال وهذا يؤدي بالتالي إلى دوامة الاقتراض ودائرته الجهنمية التي لا يمكن الخروج منها إلا بثمن فادح للأسف وهو ما لا نرجوه أبدا.

ثالثا: لزيادة الديون بالعملة الأجنبية أثر بالغ الضرر على عجز الموازنة الذي يزيد بسبب زيادة قيمة المدفوع من خدمة الدين لأن الدين نفسه ارتفع وبسبب الزيادة في سعر تحويل الدولار إلى جنيه مصري إذ إن عملة القيد في الحساب الختامي هي الجنيه المصري وأنت إن أخذت بالاعتبار أن نمط الاقتصاد المصري قائم على الاستيراد، فمعني هذا هو أن الديون التي حصلت عليها مصر لم يتم توجيهها إلا للإنفاق على الاستيراد فقط وهو ما يضيع على الاقتصاد فرصا هائلة ويهدر فائض القيمة حيث لا تصدير إلا للمواد الخام بلا تصنيع ولا خطة.

ـ ما رأيك في انخفاض نسبة التضخم إلى 17% دون حدوث تغير ملحوظ في الأسعار؟

المشكلة في هذا الموضوع ذات مستويين.. أولا: مستوى نوعي لقياس التضخم وهو يضم معدلين للقياس أحدهما أولي يشمل أسعار السلع كلها كمجموعات سلعية والثاني يستثني سلعا بعينها من وسيلة القياس، والمستوى الثاني هو مستوى زمني يقيس التضخم في فترة معينة وهنا لابد أن يكون كلام الحكومة واضحا للناس حتى تستقيم النظرة ويكون التقييم عادلا ومنصفا، وأظن أن معدل القياس المعلن قد تغافل بعض السلع الأساسية وأنه يقيس التغير في أسعار تلك السلع، لا بين فترة ما قبل التعويم والآن، ولكن بين فترة ما بعد التعويم والآن، وهذا هو أساس المشكلة حيث ارتفعت أسعار السلع ارتفاعات جنونية بعد التعويم وصلت إلى أكثر من 100% لبعض السلع، فمثلا لو أن هناك سلعة ما كان سعرها قبل التعويم هو 100 جنيه وصار بعد التعويم في نوفمبر 2016 مبلغ 200 جنيه ثم صار السعر حاليا بمبلغ 150 جنيه فهذا يعني أن هناك انخفاضا بالفعل بمقدار 50 جنيه لكن في واقع الأمر فإن القياس ينبغي أن يكون بتحديد الفارق بين ما كان حادثا قبل التعويم وما هو حادث الآن.

ما أريد أن أقوله هو أن انخفاض نسب التضخم على النحو الذي أعلنته الحكومة هو ما يفسر عدم شعور المواطن العادي به لأنه محسوب على أساس الأسعار التي ارتفع بشكل جنوني لكنها لم تعد أبدا لما كانت عليه من قبل.

ـ استمرار تثبيت سعر الفائدة عند معدل مرتفع لاستهداف التضخم.. ما تأثير ذلك؟

لا تأثير له بالمرة على معدلات التضخم، لأن التضخم نوعان: نوع مرتبط بزيادة الطلب وهو ما يمكن السيطرة عليه من خلال رفع محسوب لأسعار الفائدة لامتصاص السيولة من السوق حيث يشجع سعر الفائدة المرتفع على سحب السيولة النقدية وإيداعها في البنوك بما يخفض الأسعار، ونوع آخر وهو ما ينطبق على حالتنا في مصر حيث يحدث التضخم بسبب “تكلفة” البضاعة بالسوق (لا بسبب زيادة الطلب بل ربما ما يحدث هو العكس في بعض الأحيان) وتكلفة البضاعة تزداد وبالتالي يزداد سعرها لأن تكلفة إنتاجها أو استيرادها تتأثر بعوامل مثل ارتفاع سعر الدولار بعد التعويم البائس فمثلا سلعة يتم استيرادها بـ100 دولار كانت تباع محليا بـ 800 جنيه قبل التعويم واليوم صار سعرها بعد التعويم هو 1750 جنيه.

ما أريد أن أقوله هنا هو أننا يجب أن نتفهم تماما طبيعة اقتصاد بلادنا ولا نسير وراء وصفات جاهزة لا تتلاءم مع واقع مجتمعاتنا وهو ما سيؤدي في النهاية إلي مزيد من الكوارث لأن التشخيص في البداية كان خاطئا، الخروج من أزمة التضخم لن يحدث برفع سعر الفائدة لكن بالتخطيط والبدء الفوري في التنفيذ لمشروعات جادة تؤدي إلى الحفاظ على فائض القيمة من خلال تحقيق الاكتفاء الذاتي ثم التصدير بنا يوفر عملة أجنبية وهو ما سيخفض من سعر البضائع بشكل جاد وحقيقي.

ـ وماذا عن خصخصة القطاع العام وارتباك الحكومة في تحديد الشركات التي ستطرحها بالبورصة؟

من الناحية المبدئية، وهذا موقفي المعلن منذ زمن، أنا ضد الخصخصة بكل أشكالها. ومن هنا من الممكن أن نقول إن الجهاز الحكومي ليس متجانسا في هذا الشأن وأظن أنه تم تأجيل تنفيذ خطط خصخصة شركات القطاع العام لما بعد مارس 2018.

ـ لماذا تصر الحكومة على تنفيذ توصيات صندوق النقد رغم أنها لم تقلل من عجز الموازنة؟

الحكومة تعهدت بالالتزام بتنفيذ أمور بعينها للصندوق من خلال خطاب التعهد الذي يصر الصندوق علي الحصول عليه وعلى موافقة السلطة التشريعية أيضا عليه باعتبار أن موافقتها تكون بمثابة موافقة للمجتمع كله لا الحكومة فقط، حتى لا يتم التنصل من سداد الديون ولا رفض التعهدات لو تغيرت الحكومة.

وبالتالي فإنهم ينفذون ما تعهدوا به بغض النظر عن تأثيرات ذلك علي المالية العامة أو على هيكل الاقتصاد، ودليلي على ذلك أن التعويم الذي كان من أهم التعهدات أدى إلى زيادة عجز الموازنة بسبب زيادة تكلفة الديون وأعباء السداد وهو ما حذرنا منه عشرات المرات.

ـ ما سبب تأخير صدور تقارير الحكومة عن الوضع المالي خاصة الديون؟

يجدر ذكر شيء في غاية الأهمية، وهو أن لدى البنك المركزي والحكومة قواعد بيانات تفصيلية جدا تمكن كل منهما من الإفصاح التفصيلي والسريع عن أي بيانات مالية، وهذا ما يحدث مثلا عند إعلان رقم الاحتياطي بالنقد الأجنبي، والذي يسارع المركزي إلى الإعلان عنه فور نهاية كل شهر، في الوقت الذي لا يفصح عن أي بيانات أخري كالديون مثلا.

إذن قواعد البيانات التي تدعم الإفصاح عن رقم ما بمجرد نهاية الشهر يمكنها أيضا أن تدعم نفس الإفصاح وفي نفس الوقت لغير ذلك من بيانات كالديون التي هي أهم مكونات الاحتياطي للأسف الشديد، أي أن الحكومة والمركزي يصدران تقارير في صالح توجهاتهما وبغض النظر عن حقيقة الأوضاع.

ـ لماذا تصر الحكومة على زيادة الاحتياطي النقدي الأجنبي رغم أن الزيادة ديون؟

الحكومة تفعل ذلك لسببين.. أولا: تعهداتها لصندوق النقد برفع الدعم والتعويم وتحرير التجارة والخصخصة، وهي أمور تضعف من موقفنا المالي وبالتالي تستدعي مزيدا من الاقتراض لسد عجز الموازنة والإنفاق على الاستهلاك السفيه، ثانيا: لأنه لا توجد موارد حقيقية من النقد الأجنبي خصوصا بعد تأثر السياحة وانخفاض حجم التجارة الدولية عبر قناة السويس، أخذا بالاعتبار أنه لا توجد حصيلة دولارية ذات تأثير للتصدير المحدود جدا يتم استخدامها في الاستيراد.

فغياب الرؤية هي سبب المأساة التي نعيشها بسبب الحكومة والبنك المركزي وأدائهما فهما يشبهان من يقود قاربا مليئا بالثقوب ما إن يتم سد ثقب فيه إلا وينفجر ثقب آخر، فالحكومة والمركزي هنا يعملان بأسلوب العلاجات المنفردة لا “الكلية”، إذ يجب البدء، كما كنا نطالب منذ سنوات عديدة، في تغيير نمط الاقتصاد من استهلاكي ريعي إلى إنتاجي تنموي للحفاظ على فائض القيمة ولتكوين احتياطيات حقيقية بالنقد الأجنبي، حيث لا يجوز الخلط بين ما نمتلكه وما نحوزه من نقد أجنبي.

الاحتياطي القوي ما تملكه من نقد أجنبي يكون بمثابة حائط صد لك في الأزمات أما الاحتياطي الذي يتكون بالأساس مما نحوزه من نقد أجنبي أتي من الديون بشكل أساسي فهو احتياطي هش جدا يمكن أن ينهار في أي لحظة تحت أثر الأموال الساخنة التي من الممكن أن تخرج من اقتصاد البلد في أي لحظة بدفع من عوامل خارجية أو داخلية كما حدث في تجربة المكسيك في أوائل تسعينات القرن الماضي.

ـ كيف تري عدم احتساب استثمار الأجانب في أدوات الدين ضمن الديون؟

الأموال الساخنة أو الـ”hot monies” هي الأموال التي تأتي من الخارج بقصد الاستثمار قصير الأجل وتخرج محملة بأرباح عالية وعادة ما تأتي هذه الأموال لأجل الاستثمار في أدوات الدين قصيرة الأجل لتحقيق فوائد عالية بسبب ارتفاع أسعار الفائدة وهي بهذا الشكل تعتبر من ضمن الديون المستحقة واجبة السداد.

ـ هل تستطيع الحكومة تقليل عجز الموازنة القادمة خاصة أن المالية رفعت توقعاتها لعجز الموازنة الحالية من 9% إلى 9.4% بعد زيادة أسعار الوقود العالمي؟

للمعادلة متغيران: أولهما خفض رقم العجز، وثانيهما زيادة رقم الناتج الإجمالي، ولو استطاعت الحكومة التحكم في أي منهما أو فيهما معا فإن هذا سيكون أمرا جيدا جدا، لكن في الواقع الذي تعكسه الأرقام الرسمية ذاتها، فإن العجز كرقم مجرد يتزايد بسبب زيادة الفوائد على الديون المحلية والخارجية وزيادة أرقام الدعم بدفع من زيادة أسعار العملات الأجنبية وبالتالي فإن الرقم الوحيد الذي يمكن للحكومة أن تتعامل معه هو رقم الناتج الإجمالي فإن لم تستطع الحكومة أن تزيد من الناتج الإجمالي زيادة “حقيقية” فإن توقعاتها لنسب عجز الموازنة سوف تتغير بلا شك.

ـ ما رأيك في طرح الحكومة سندات وأذون خزانة سواء داخلية تخطت التريليون جنيه أو خارجية ستكون ما بين 4 إلى 5 مليارات دولار في الوقت الحالي قابلة للزيادة في المستقبل؟

من الناحية المبدئية فأنا ضد الاستدانة لتمويل عجز الموازنة من خلال السندات طالما توافر للحكومة موارد ذاتية لسد هذا العجز. المشكلة الأساسية هنا هي في نظرة الحكومة لهذه الموارد.. الحكومة مثلا لا تعترف بفرض ضرائب على العقارات غير المستغلة وعلى الأغنياء كضريبة الثروة، ومن مفارقات القدر أو المضحكات المبكيات أن صندوق النقد بنفسه طالب بهذا الأمر علي لسان لاغارد ومندوبها في المغرب العربي منذ أسبوع. الحكومة لا تعترف بضم الصناديق الخاصة وإعادة النظر في قانون المحاجر الخاص بتسعير المواد الخام ولا تقوم بخفض النفقات غير اللازمة.

كما أن الحكومة لا تعترف باستغلال الطاقة الشمسية في شكل محطات عملاقة رغم أن معدل السطوع الشمسي في مصر هو الأعلى عالميا 2400 كيلو وات/م2 في السنة وهو ما يناسب المحطات العملاقة والذي يمكن مصر من الاكتفاء الذاتي بل والتصدير أيضا.

الأهم هو البدء الفوري بالتخطيط الجاد والحقيقي لتغيير نمط الاقتصاد من استهلاكي ريعي إلى إنتاجي تنموي يحفظ فائض القيمة ويضمن تشغيلا دائما لكل يد عاملة في مصر بدلا من الاستدانة وتوريث الأجيال القادمة ميراث ديون ثقيلة.