حرائق الغاز الإسرائيلى

أخطر ما فى اتفاقية استيراد الغاز من إسرائيل هى الطريقة التى تدير بها السلطة فى مصر شئون الحكم، والعقلية التى تصدر من خلالها العديد من القرارات السياسية والاقتصادية المهمة والمصيرية، دون أن تضع للرأى العام فى مصر أى اعتبار، بل ودون أن تهتم بما إذا كان ذلك سوف يثير غضب المصريين ويقلل من إقبالهم على التصويت فى انتخابات الرئاسة المقرر إجراؤها بعد نحو شهر من الآن أم .لا ؟!

فهذه السلطة التى أعلنت منذ أسبوع تقريبا أن حقل ظهر سوف يوفر لنا كل احتياجاتنا من الغاز الطبيعى خلال العام الحالى أوالمقبل على أكثر تقدير، فاجأتنا بعدها بعدة أيام بصمتها المريب ثم تأييدها الكامل لإبرام شركة مصرية مجهولة اتفاقا ضخما لاستيراد الغاز من إسرائيل ب 15 مليار دولار على مدار 10 سنوات، بعد أن كشف رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو عن هذا الاتفاق الذى .اعتبره يوم عيد لبلاده!

فى البداية ، قالت الحكومة ان هذا الغاز الاسرائيلى سوف يتم تسييله فى مصر ثم يعاد تصديره لأوروبا، وقال البعض أنه سوف يدر مليارات الدولارات على الخزينة المصرية، فى حين اكتفى الرئيس عبد الفتاح السيسى بالقول بأننا أحرزنا “جون” بهذا الاتفاق، دون أن يوضح أى تفاصيل أخرى، ثم فوجنا بعد ذلك بأصوات محسوبة على الحكومة تؤكد أن جزء كبير من هذا الغاز الإسرائيلى سيتم استخدامه فى توفير الطاقة لمصانعنا المغلقة وتوفير احتياجات السوق المحلية فى الاستهلاك المنزلي، وأن ما يتبقى منه سوف يتم تصديره للخارج بعد تسييله، دون أن نعرف سبب إبرام هذه الصفقة الضخمة بهذه المدة الطويلة طالما إنتاجنا المحلى من حقل ظهر يكفينا وزيادة؟! ولماذا لم يتم الإعلان عنها فى القاهرة فى نفس الوقت الذى أعلنت إسرائيل عنه؟ وماهى بنود هذه الاتفاقية بالضبط؟ .ومن يقف وراء الشركة المصرية المجهولة التى تملك أموالا طائلة وصلاحيات واسعة تمكنها من ابرام هذه الصفقة؟

لا أحد يعرف شيئا محددا عن حقيقة احتياجنا لهذه الصفقة، ولا أرباحنا المتوقعة منها، ولا عن سعر الاستيراد ولا سعر التصدير وتكلفة التسييل، ولا عن الأسعار الذى سوف يتم بيعه بها فى مصر، وهل سوف يرتفع ثمن الغازفى السوق المحلى أم ينخفض؟ وماهى طبيعة هذه الشركة المصرية المجهولة التى عقدت هذه الصفقة؟ وهل لها شركاء؟ ومن هم؟ وهل تربطها علاقات بشركات حكومية أم لا؟، ولماذا اعتبر نتنياهو توقيع هذه الاتفاقية وكأنها يوم عيد فى إسرائيل؟ وماهى الجهة التى أحرزنا فيها “الجون” الذى أشار إليه الرئيس السيسي؟ وقبل ذلك كله هل يقع الحقلان اللذان تستغلهما إسرائيل لاستخراج الغاز ضمن حدودها الاقتصادية البحرية فعلا أم ضمن حدودنا كما يقول الكثير من المتخصصين فى مصر؟

كل هذا الغموض المصاحب لهذه الصفقة أصبح يثير الشكوك حول الهدف الحقيقى من إبرامها، والذى يجىء فى توقيت يبدو وكأنه يكافىء إسرائيل على محاولاتها المستمرة لابتلاع القدس واعتبارها عاصمة لها بتأييد أمريكي، رغم أنف الاتفاقيات السابقة التى كانت ترجىء الوضع النهائى للمدينة المقدسة لمفاوضات الحل النهائي، ورغم أنه كان من الأولى استخدام هذه الورقة للضغط على إسرائيل لاحتياجها الشديد لمحطات التسييل المصرية لغازها الطبيعى من أجل الاستفادة منه وتسويقه لأوروبا، كما يثير التساؤلات حول نصيبنا من إنتاجنا حقل ظهر ؟ وهل يكفى احتياجاتنا أم لا؟

اتفاقية بهذه الضخامة المالية والكلفة الاستراتيجية كان ينبغى أن تخضع لفحص وتمحيص مختلف الخبراء الاقتصاديين والفرقاء السياسيين فى مصر، وتعرض كل تفاصيلها على الرأى العام، لا أن يتم الإعلان عنها بهذه الكيفية الغامضة، التى يخشى الكثيرون من أنها سوف تصبح السمة التى تمارس بها السلطة فى مصر شئون الحكم خلال السنوات المقبلة .

غياب الشفافية عن الطريقة التى تم بها توقيع هذه الاتفاقية تهدر مع سبق الإصرار والترصد دولة المؤسسات فى مصر، وهو وضع يهددنا بخسائرسياسية فادحة حتى لو كانت ستدر علينا مليارات الدولارات كما يقول الكثير من مؤيدى الحكومة !