حتى حرب الفساد فنكوش

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

يبدو أن الحرب الشاملة التي تقول الحكومة إنها تشنها على الفساد ليست سوى “فنكوش جديد” لا يراه العالم ولا يعترف به، فرغم الضجيج الذي صدعت به الحكومة رأس الشعب طوال السنوات الأربع الأخيرة عن محاربة الفساد ومواجهة الفاسدين في كل مكان من أرض المحروسة، جاء تقرير منظمة الشفافية الدولية الصادر يوم 21 فبراير الحالي لكي يلقي على رأس هذه الحكومة “جردل مية ساقعة” حيث كشف التقرير عن ارتفاع منسوب الفساد في مصر خلال العام الماضي مقارنة بالسنة السابقة، سواء من حيث ترتيب مصر على مؤشر الفساد أو من حيث التقدير الذي حصلت عليه مصر بالنسبة لمستوى الشفافية ومكافحة الفساد.

فقد أظهر تقرير المنظمة الدولية المعنية بمكافحة الفساد في العالم والموجود مقرها في العاصمة الفرنسية باريس تراجع ترتيب مصر على قائمة الدول الأقل فسادا من المركز 108 في 2016 إلى المركز 117 مكرر في 2017. كما تراجع تقييم مصر من 34 نقطة في 2016 إلى 32 نقطة في 2017.

وتعطي المنظمة في تقريرها السنوي عددا من النقاط لكل دولة من دول العالم وفقا لدرجة الشفافية وجدية محاربة الفساد فيها، فتكون الدولة صاحبة العدد الأكبر من النقاط هي الأقل فساد وتأتي على رأس القائمة، في حين أن الدولة صاحبة العدد الأقل من النقاط هي الأشد فسادا. والدرجة النهائية للتقييم هي 100 نقطة، وتصدرت نيوزيلندا التصنيف الأخير وحصلت على 89 نقطة وتلتها الدنمارك برصيد 88 نقطة ثم فنلندا والنرويج برصيد 85 نقطة.

ولعل أخطر ما كشفه التقرير الأخير لمنظمة الشفافية الدولية، هو تراجع أداء مصر في مكافحة الفساد أو بمعنى آخر ارتفاع منسوب الفساد فيها خلال السنوات الأربع الأخيرة، على عكس كل ما تردده الحكومة طوال تلك السنوات. ففي حين كان رصيد مصر عام 2014 قد بلغ 37 نقطة احتلت بها المركز 94، تراجع الرصيد إلى 36 نقطة عام 2016 احتلت بها المركز 88، ثم تراجع إلى 34 نقطة عام 2016 احتلت بها المركز 108، قبل أن يتراجع الرصيد عام 2017 إلى 32 نقطة فقط تحتل بها المركز 117
هذا الكلام لا يعني إلا أنه كلما ارتفع صوت المسئولين في الدعاية للحرب على الفساد، ارتفع معدل الفساد في البلاد، أو على الأقل هكذا ينظر العالم إلى مصر في السنوات الأخيرة.

ولا يمكن القول إن هذه المنظمة الدولية جزء من المؤامرة “الصهيو أمريكية، القطر تركية، الإيرانية الحمساوية” التي تستهدف عرقلة مسيرة التنمية التي نبهر بها العالم. فالقائمة السنوية التي تصدرها المنظمة تؤكد أنها لا تخضع لنفوذ القوى العظمى ولا الدول الكبرى، بدليل أن رأس القائمة محجوزة منذ سنوات لدول صغيرة مثل نيوزيلندا وفنلندا والدنمارك والنرويج لأنها الأقل فسادا في العالم، في حين تأتي دول كبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا في ترتيب متأخر كل حسب درجة الفساد فيها.
في الوقت نفسه، فإن تقارير هذه المنظمة الدولية تحظى بمصداقية كبيرة لدى صناع القرار الاقتصادي والاستثماري والسياسي في العالم مثلها في ذلك مثل المؤسسات الدولية الأخرى كل في مجال عمله مثل صندوق النقد والبنك الدوليين ومؤسسات التصنيف الائتماني، وبالتالي لا يجب أن يكتفي المسئولون وأذرعهم الإعلامية والسياسية بالهجوم على المنظمة والتشكيك فيها دون بحث أسباب تراجع تصنيف مصر على مؤشر الفساد الدولي، رغم كل ما يقال عن محاربة الفساد واجتثاث جذوره وكل هذا الكلام الكبير.

ويعتمد تقرير المنظمة الدولية على استطلاع رأي الخبراء ورجال المال والأعمال العاملين في كل دولة أو المتعاملين معها لتحديد مدى معاناتهم من الفساد فيها.

وفي تقريرها الأخير قالت منظمة الشفافية الدولية إن تحليل نتائج المسح الأخير أظهر وجود علاقة عكسية بين حرية الإعلام والمجتمع المدني ومستوى الفساد، حيث يرتفع منسوب الفساد في الدول التي تحظى بدرجات أقل من حرية الإعلام ومنظمات المجتمع المدني لآن الإعلام الحر والمجتمع المدني القادر على القيام بدوره يستطيعان التصدي للفساد والحد منه في المجتمع.
هذا التقرير الصادم الذي صدر من 4 أيام، دون أن نرى أو نسمع أي تعليق عليه من جانب مسؤولي الأجهزة المعنية بمحاربة الفساد في الدولة، يقول بوضوح إن العالم ينظر إلى “حرب الفساد الشاملة” باعتبارها “فنكوش جديد”، يضاف إلى قائمة “الفنكوش” التي صدرتها السلطة للشعب على مدى السنوات الأربع الماضية بدءا من “جهاز الكفتة” لعلاج فيروس سي ومرض الإيدز وصولا إلى “قناة السويس الجديدة” التي قالت عنها وسائل الإعلام العالمية إنها “هدية مصر للعالم الذي لا يحتاجها”، ثم اتضح أنها كذلك بالفعل حيث مر أكثر من عامين ونصف العام دون أن نجني لها أي ثمار، رغم كل ما قيل عن أنها ستضاعف إيرادات القناة أكثر من مرة خلال 5 سنوات.

ويتزامن ارتفاع منسوب الفساد في مصر وفقا لتقرير المنظمة الدولية، مع موجة غير مسبوقة لمحاصرة وسائل الإعلام، بحجب المواقع وملاحقة الصحفيين والاستحواذ على القنوات التلفزيونية الخاصة مع التضييق على منظمات المجتمع المدني، بقانون سيء السمعة وهو ما يؤكد ما انتهى إليه تقرير المنظمة من أن معدلات الفساد تتناسب عكسيا مع حرية الصحافة والمجتمع المدني، فيزداد الفساد عندما يشتد التضييق على الإعلام والمجتمع المدني، ويتراجع عندما تنمو حرية الإعلام والمنظمات غير الحكومية.

والآن على حكومتنا الرشيدة أن تختار ما بين حرب حقيقية على الفساد يساندها إعلام حر ومجتمع مدني نشط، أو فنكوش جديد اسمه الحرب الشاملة على الفساد.