ثقافتنا بين «الوضعية المنطقية» و«أم خديجة المغربية»

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

حمل العام 1905 م طابع ثقافي خاص، فبينما أغلق الستار عن المشهد الأحير من حياة الأستاذ الإمام محمد عبده الذي توفى في هذا العام، ولد المفكر والفيلسوف العربي زكي نجيب محمود، كأن الرجل كان على موعد مع من يحمل عنه شعلة التنوير، أو كأن القدر كان رحيما بثقافتنا العربية فلم يشاء أن يسلبها صرح ثقافي هام دون أن يمن عليها في المقابل بمشروع تنويري سيكون له أكبر الأثر على مدار العقود التالية وحتى رحيله عن دنيانا في العقد الأخير من القرن العشرين.
ساقت الأقدار زكي نجيب محمود الذي ولد بقرية دكرنوس بمحافظة الدقهلية إلى السودان التي كانت تحت الحكم المصري- حيث انتقال الأسرة، وهي مرحلة التكوين النفسي الذي أكسبته مهاردة أدبية وعمق نفسي ونزعة قد لا تخلو من رومانسية على ما بين في سيرته الذاتية (قصة نفس)، ثم عاد إلى القاهرة ليتخرج من مدرسة المعلمين قبل أن يسافر في بعثة علمية إلى انجلترا للحصول على درجة الدكتوراة في الفلسفة عام 1947م.

في أوروربا كان نجيب منشغلا بالتنقيب في فلسفات الغرب ومنهجياتهم عن أفضل الطرق للخروج بالعقل العربي من مخاضه والذي قبل بالكاد إمكانية الاستفادة من المنجز الحضاري للآخر بفضل الأستاذ الإمام ورفاقه من التنويريين، كان الهدف هو الوصول إلى أكثر المنهجيات ملائمة لتخليص العقل العربي من الكثير من الشوائب التي لحقت بها على مدار قرون من الجمود والرجعية.

من المؤكد أن نجيب كان يعرف أن تراثا دينيا ضخما من النصوص التأسيسية، ثم أكوام من الشروح والملخصات والتفسيرات واستخلاص الأحكام وشرح أصول استنباطها تعوق أي محاولة للإصلاح والتجديد، لكن الأدهي هو ما يعلمه يقينا بوجود أكوام أخرى من الأسطورة الدينية، والعقلية الغيبية، وعوالم الخرافة التي لا تتوانى في خلق مساحة من الاستكانة والخمول العقلي للشعوب التي باتت خارج دائرة التاريخ.

كان السؤال الذي يحركه ما الذي يرفع عن عقلنا الذي قدم ذات يوم منجز حضاري نستدعيه على سبيل المفاخرة بمجد الأباء دونما الاكتراث بضحالة الأبناء والأحفاد- ركام الأسطورة وغبار المحافظة والتقليد؟

في انجلترا وجد زكي نجيب محمود ضالته في الفلسفة الوضعية التي تطورت بعدما لحقت بها أفكار جماعة فيينا إلى الوضعية المنطقية، وتقوم الوضعية المنطقية على توحيد لغة العلم وتوحيد العلوم كلها في قلسفة واحدة، والقيام بتحليل اللغة بحيث تٌحصر معانى الألفاظ في حجم وامكانية تحققها وتمثلها في الواقع ، كما حصرت مهمة الفلسفة في الربط ما بين اللغة والتجربة… وبمعنى أوضح تذهب الوضعية المنطقية إلى أن إمكانية إخضاع أي شىء للاختبار والتجربة هو المعيار الوحيد للتحقق من وجوده، فما لا يمكن اخضاعة للتجربة العلمية هو بلا معني ولا وجود، وعلى هذا الأساس رفض الوضعيون المناطقة كل القضايا المتعلقة بالميتافيزيقا واللاهوت باعتبارها قضايا غيبية غير خاضعة لإمكانية الاختبار والتحقق.

كان زكي نجيب محمود هو رسول الوضعيين المناطقة إلى منطقتنا العربية التي يعرف حجم احتياجها إلى نموذج منهجي مماثل في التفكير يعينها على التخلص من الفكر الاسطوري والإيغال في الغيبيات، عوالم الجن والشياطين، والكرامات، والحسد، ففي بلادنا وحدها يمكن إلحاق الأذى والضر بمجرد النظر مع بعض المشاعر النفسية السلبية.

فإذا كان الشرق فنان روحي بينما الغرب علمي تجريبي، فقد تمثل الحل في نظره في إضفاء بعض من مسحة الغرب العلمية على طبيعتنا الفنانة أو بالأحري الروحية، راح زكي نجيب محمود ينقل أفكار الوضعيين المناطقة إلى العربية، ويترجم قواعدها ومقولاتها الكبرى، ويشرح إمكانات تطبيقها، فكتب نحو فلسفة علمية وهو الكتاب الذي أوضح فيه كيف بات للفلسفة مهمة جديدة مختلفة عن تلك المهمة المتوارثة المتعارف عليها والتي تتمثل في محاولات الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى ومحاولة اكتشاف العلل البعيدة للأشياء، فالعلم وحده هو القادر على إجابة مثل تلك الاسئلة.

لكن طرقاته الكبرى تمثلت في كتابه “خرافة الميتافيزيقا” وهو الكتاب الذي كان فيه كالقطة التي أكلت بنيها- على حد تعبيره- إذا بدأ في مهاجمة الكثير من الافكار الغيبية والميثولوجيا الدينية، وأمام هجوم جارف من قبل التيارات الدينية المختلفة التي اتهمته بإنكار الميتافيزيقا الدينية بما فيها مفهوم الألوهية اضطر نجيب إلى التراجع قليلا حين لم تشفع له محاولات دفاعه عن نفسه باستثناءه قضايا اللاهوت الديني من الميتافيزيقا التي يعمل عليها معول الوضعية المنطقية، وأعيد طباعة مؤلفه تحت مسمى أقل حدة وصدامية (موقف من الميتافيزيقا) مع محتمعاتنا التي تتمترس خلف أفكارها، و تٌصر على ملأ فراغاتها بالخرافة والأساطير.

ورغم ذلك ظل نجيب طوال السنوات التالية من عمره يدافع عن منطق التفكير العلمي، ويخوض العديد من المناظرات والمثاقفات مع عدد من العقليات التي تساهم بشكل أو بآخر في تشكيل الوعي العام، ولعل من أبرزها تلك المناظرة الشهيرة التي خاضها على صفحات جريدة الأهرام مع الشيخ الشعراوي حين دافع الشسخ الشعراوي عن فكرة غمس الذبابة التي تسقط في الإناء أثناء الشرب، لأن ثمة حديث نبوي يقر هذا العمل، بالإضافة إلى محاولة تقديم بعض أوجه الإعجاز العلمي في الأمر حينها كتب زكي نجيب محمود مقاله الشهير (ذبابة طاردتها) عاتب فيها الشيخ الجليل على مجاراته ومحاولاته لتبرير نص يخالف العقل والمنطق.

لم يكن زكي نجيب محمود الذي وافته المنية عام 1993 بعد كم عشرات من المؤلفات، والتراجم، والتحقيقات يدري أننا سنلج إلى الألفية الجديدة بعقلية ملؤها الخرافة والأساطير، وأن أكاديمياتنا العلمية في كليات الصيدلة والعلوم وغيرها من المنصات التي تعتمد بشكل أساس على المنهج التجريبي ستنجب لنا تحت تأثيرات التيارات الدينية الرجعية من يفضل المداواة بالرقية الشرعية عن الاختبار والتجريب، لم يكن يعلم أن أجيال العرب في الألفية الجديدة ستتفتح عيونهم في شاشات التلفاز على أسماء بعض من يطلق عليهم “عالم روحاني” ، أولئك الذين بإمكانهم فك السحر، ورفع الحسد والعين الشريرة، وإخراج الجان، وجلب الحبيب، يغلب ظني أن الموت كان أرحم بمثله من رؤية العالمة الروحانية (أم خديجة المغربية) تشغل العديد من العقول العربية في حركة دائرية للتاريخ بعد نحو قرنين من انطلاق حركة النهضة والتنوير.