بين تنحي ناصر ومبارك.. فارق كبير صنعه حب الشعب للحاكم

 

44 عاما بين خطاب تحمل المسؤولية وخطاب الإجبار؛ الأول ألقاه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في ٩ يونيو ١٩٦٧ بعد النكسة، فنزلت الجماهير الغفيرة إلى الشوارع والميادين للتعبير عن رفضها للقرار وطالبت الزعيم بالاستمرار في منصبه، والثاني ألقاه عمر سليمان، نائب الرئيس المخلوع حسني مبارك في مثل هذا اليوم قبل سبعة أعوام 11 فبراير 2011؛ فتهللت الجماهير الموجودة في الشوارع والميادين فرحا بسقوط الطاغية.

يبدو الفارق شكلا وموضوعا واضحا بين كلا الخطابين؛ الأول بكى عليه الشعب ليبقى في السلطة، والثاني بكى له الشعب فرحا لرحيله عن السلطة، أدرك المصريون أن خطاب عبد الناصر، اعتراف كامل بالهزيمة، فتمسكوا به وساعدوه على البقاء لمقاومة الهزيمة، بينما تدفقت الملايين إلى شوارع القاهرة، خاصةً ميدان التحرير ومختلف المحافظات، تملؤها الفرحة والهتاف والزغاريد على حاكم لم يجن المصريون طوال ثلاثين عاما، سوى الكوارث والفساد والمرض.

بين كوراث مبارك في 30 عاما، وإنجازات عبد الناصر في 20 عاما، فارق كبير، ورغم أن الثاني وقعت في عهده أكبر هزيمة في تاريخ مصر الحديث (نكسة يونيو)، إلا أن رصيده من الإصلاحات والعدالة الاجتماعية أنقذته كبطل تراجيدي في عيون المصريين، كانت طموحاته كبيرة من أجل خير البلد، عكس الأول الذي كرس كل سياساته نحو إفقار الوطن وأبنائه.

فجرت ثورة 25 يناير طاقات شعب عظيم ضد الاستبداد والظلم والفساد والفشل؛ أيا كان حظها من النجاح أو الفشل أو التآمر عليها من كل الذين حاولوا سد الأفق أمام تطور وانطلاق مصر، ولم يكن خروج الملايين في الميادين احتفالا بتنحي مبارك في 11 فبراير من فراغ، بل كان لكل مواطن جرح عميق اكتوى فيه بنيران الحكم الاستبدادي وكوارثه.

ورحل مبارك وترك خلفه 20 مليون مصري، تحت خط الفقر، يعيشون بدولارين يوميا، أو أقل، و8 ملايين عاطل، و12 مليون يعيشون في مدن الصفيح، أو العشوائيات، و22 مليون أمّي، لا يعرفون القراءة والكتابة، و800 مليار جنيه، مجموع الديون الخارجية والداخلية.

لم يلق مبارك خطاب التنحي بنفسه، عكس ناصر، والأمر فسره بعض المحللين النفسيين والسياسيين بأنه كان نوعا من التعالي وأن المخلوع تم إجباره على التنحي من جانب المجلس العسكري، وأيضا يتوافق مع طبيعة شخصيته النرجسية، التي أكدها الدكتور أحمد عكاشة، أخصائي الطب النفسي، عما تسرب من أخبار: “أن مبارك كان يكتب اسمه على بدله الشخصية، وهذا أكبر دليل على الاستخفاف والنرجسية والاستعلاء، بل والانتفاخ الذاتي في شخصيته، والذي يوحي بأن استمراره في السلطة لثلاثة عقود جعله متوحدًا مع الكرسي”.

وعلى النقيض، يقول الدكتور الصاوي حبيب، في كتابه “مذكرات طبيب عبد الناصر”: “من ملامح شخصية جمال عبد الناصر أنه يمتلك روح المبادرة برغبة دائمة منه أن يدفع الأمور ويقود زمامها”، مؤكدًا أنه استطاع الخروج من العدوان الثلاثي على مصر منتصرًا سياسيًا، رغم أننا كنا الأضعف موقفًا، وأن البساطة كانت أقوى سماته في ملبسه وطعامه، بالإضافة لما كان يتميز به من حب خاص وعشق للنظام بشكل عام في أغلب تفاصيل حياته.

تعتبر ثورة 52، العصر الذهبي للطبقة العاملة المطحونة الذين عانوا أشد المعاناة من الظلم وفقدان مبدأ العدالة الاجتماعية، وأسفرت عن توجهها الاجتماعي وحسها الشعبي مبكرا عندما أصدرت قانون الملكية يوم 9 سبتمبر 1952، وقضت على الإقطاع وأنزلت الملكيات الزراعية من عرشها، وحررت الفلاح بإصدار قانون الإصلاح الزراعي، وجرى إلغاء الطبقات بين الشعب المصري، وأصبح الفقراء قضاة وأساتذة جامعة وسفراء ووزراء وأطباء ومحامين وتغيرت البنية الاجتماعية للمجتمع المصري.

أما عن الإنجازات التعليمية؛ أقرت مجانية التعليم العام وأضافت مجانية التعليم العالي، وتضاعفت ميزانية التعليم العالي، وأضيفت عشرة جامعات أنشئت في جميع أنحاء البلاد بدلا من ثلاث جامعات فقط، وجرى إنشاء مراكز البحث العلمي وتطوير المستشفيات التعليمية.

ولم يتحرك عبد الناصر على الصعيد الداخلي فقط، بل كان وسيظل رمزا لحلم الوحدة العربية ونجح فى توحيد الجهود العربية وحشد الطاقات لصالح حركات التحرر العربية، وأكد للأمة من الخليج إلى المحيط أن قوة العرب في توحدهم وتحكمها أسس؛ أولها تاريخي، وثانيها اللغة المشتركة لعقلية جماعية، وثالثها نفسي واجتماعي لوجدان واحد مشترك.

وأقام ناصر تجربة عربية في الوحدة بين مصر وسوريا في فبراير 1958، بعدها جرى عقد اتفاق ثلاثي بين مصر والسعودية وسوريا، ثم انضمت اليمن للدفاع عن حق الصومال في تقرير مصيره، كما ساهمت ثورة يوليو في استقلال الكويت، وقامت ثورة يوليو بدعم الثورة العراقية، وأصبحت مصر قطب القوة في العالم العربي، ما فرض عليها مسؤولية الحماية والدفاع لنفسها ولمن حولها.

وساعدت مصر في عهد عبد الناصر، اليمن الجنوبي في ثورته ضد المحتل حتى النصر وإعلان الجمهورية، كما ساندت الثورة الشعب الليبي في ثورته ضد الاحتلال، كما دعمت الثورة حركة التحرر في تونس والمغرب حتى الاستقلال.