الوحدة المصرية السورية.. الضرورة والأخطاء والأعداء

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

تشكّلت أرضيّة الوحدة المصرية السوريّة مبكرا من معاهدة الضمان الجماعي العربي التي وُقّعت عام 1950، ومثّلت رد الفعل العملي الأول على الهزيمة العربية في حرب فلسطين، بالإضافة إلى التوافق على رفض ومناهضة حلف بغداد، رفضٌ قاده في الداخل السوري رئيس الوزراء صبري العسلي، ليحسم جدلا كان اشتد حول الاستقطاب الذي قام وقتها في المنطقة، بين نظم ملكيّة اجتمعت لكبح حركة التحرر الوطني العربية التي بلغت قمّتها عام 1952 في أكبر أمم العرب، مصر، وكانت تحرّكاته ضد الاستعمار تفعيلا لأفكار تبنّاها التيار القومي العربي الشعبي، وتمتّع بحضور كبير في إقليم الشام، الذي تُعد سوريا قلبه وكيانه الرئيس بحكم الجغرافيا والتاريخ والحضارة.

كانت الغارة الصهيونية الكبيرة على غزة، الواقعة تحت الحكم المصري، عام 1955 دافعا مباشرا لمصر وسوريا، الدولتان الأكبر من “دول الطوق” المحيط بفلسطين المحتلة، كي تسعيا لحيازة قوة عسكرية تكفل ردع العدوان الصهيوني المتواصل، الذي اتضح وقتها أنه لن ينتهي قريبا، على الأقل في ظل الضعف العسكري العربي وإخفاق وتحلل معاهدة الضمان الجماعي، التي حملت مشروعا (لم يتحقق) للدفاع العربي المشترك، وكان الاتجاه العراقي نحو السياسة الاستعمارية البريطانية بالمشاركة في حلف بغداد أبرز عوامل انحلالها؛ ومن هنا، اتجهت مصر وسوريا إلى الكتلة الشرقية للتسلّح من تشيكوسلوفاكيا ومن ورائها الاتحاد السوفيتي، في مواجهة الحظر الغربي على التسليح والمتلازم مع الإغداق بالأسلحة على القوّة الصهيونية، فضلا عن تعرّض سوريا، لاحقا، لتهديد الحشود والتحركات العسكريّة التركيّة على الحدود، في إطار فاعليّة تركيا في حلف بغداد الموالي للغرب، مما خلق ضرورة سياسيّة طبيعيّة لتقارب سوري مصري.

بعد تولّي شكري القوتلي، رئاسة الجمهوريّة السوريّة، وقّعت الحكومتان اتفاقية للدفاع المشترك عام 1955، تضمّنت إنشاء قيادة عسكرية مشتركة، ولم يمرّ عام على التوقيع حتى تعرّضت مصر للعدوان الثلاثي، وكفل انتصارها السياسي عليه مدّا شعبيّا عربيّا جارفا نحو اعتبار مصر رأس الحربة في معركة الاستقلال العربي عن الاستعمار، في ظل منظومة كاملة من الدعم وضعتها مصر لحركات التحرر في البلدان العربيّة على اختلافها، وعلى جانب آخر، تزايدت انتهاكات طيران جيش الاحتلال لسماء سوريا بالتوازي مع الضغوط الأمريكيّة، في مشهد عدواني عام مهدد لمصالح سوريا وللإرادة الشعبية هناك.

 

بحلول أكتوبر من عام 1957 ومع ضغط شعبي كبير في الشارع السوري، لعبت فيه القوى السياسيّة الوطنية دورا بارزا وعلى قمّتها حزب البعث، أحد مكوّنات الحكومة؛ اجتمع مجلسا النوّاب في البلدين وقررا دعوة الحكومتين إلى الوحدة، وفي 22 فبراير عام 1958، التقى الزعيم جمال عبد الناصر بالرئيس القوتلي، وأعلنا قيام الجمهورية العربيّة المتحدة، كدولة ذات حكومة مركزيّة ومجلسين تنفيذيين إقليميين لكل قطر، ثم أُستُفتي على عبد الناصر رئيسا لها مع إقامة برلمان مشترك.

 

شرطان وضعهما عبد الناصر، مسبقا، لقيام الوحدة، وكان لتحقيقهما أثر سلبي اتضّح لاحقا في سياق انتهائها؛ الأول حلّ الأحزاب السياسيّة في سوريا، والثاني امتناع ضباط الجيش السوري عن ممارسة السياسة؛ تحقق الشرطان دون اعتراض يُذكر نظرا للمدّ الشعبي الجارف الذي صاحب خطوات الوحدة، لكن الحقيقة أنه، على عكس مصر وقتها، كانت سوريا تتمتع بتعدديّة حزبيّة معتبَرة ذات تمثيل جماهيري وطالما خلقت استقطابا سياسيّا في المجتمع، حتى لو لم ينعكس ذلك في بنية السلطة كثيرا، أي على النمط الليبرالي.

 

وبالتكامل مع هذا، كان الدور الثابت للمؤسسة العسكريّة هناك، التي أفرزت 3 انقلابات خلال أقل من 10 سنوات قبل الوحدة، وضباطها المنتمين بالفعل لأحزاب كان على رأسها “البعث”، الذي قبل بحلّ نفسه كباقي الأحزاب وأيّد الوحدة واعتبرها، في بداية الأمر، فرصة ليس فقط لتفعيل برنامجه وأفكاره حول القوّمية العربيّة على أرض الواقع، بل لدخوله تركيبة السلطة في الكيان الجديد، وهو ما لم يحدث، إذ اتّسع نفوذ عبد الحميد السرّاج (المُعادي للبعث) الذي اعتمد عليه عبد الناصر في دمشق، فضلا عن نفوذ عبد الحكيم عامر الذي تولّى أغلب السلطات الفعليّة في القُطر السوري، ما وضعه في صراع ليس فقط مع السرّاج، بل مع أغلب الشخصيات والرموز السياسيّة الوطنية، التي طالما تحمّست للوحدة لكنها باتت فيما بعد رموزا لرفضها، وفي السياق، اتّسع الغضب في المؤسسة العسكريّة السوريّة وصولا، فيما بعد، إلى خروج قطاع منها ضد الوحدة.

 

على صعيد آخر، ضغطت سياسات التأميم على الكُتل الاجتماعية صاحبة الامتيازات الاقتصادية في سوريا، الإقطاعيون وكبار التجّار، المتحالفة مع المملكتَين السعودية والأردنية، فقامت بتحرّكات مضادة للوحدة مستخدمة نفوذها الاجتماعي ودعمت التناقضات بين قيادات الجيشين المصري والسوري، مع إطلاق حملات دعائية وحرب شائعات في أوساط السلطة القُطرية في سوريا والأوساط الشعبيّة على حد سواء، دعمتها بكثافة إذاعات خصصها النظامان الملكيّان المعاديان للوحدة؛ لتشويه التجربة والتدليس عليها وتضخيم سلبياتها، بتنسيق مباشر، كشفته وثائق الخارجية الأمريكيّة ومذكّرات سعودية فيما بعد، مع المخابرات الأمريكية وتركيا، واستنجد رئيس وزرائها، عدنان مندريس، بحلف شمال الأطلنطي والولايات المتحدة مع كون تركيا عضوا في الحلف منذ 1952، حتى سخّرت الولايات المتحدة إمكاناتها الاستخباريّة والدبلوماسيّة والإعلاميّة كافة لمحاربة الوحدة، وأصدرت تعميما بذلك لجميع أفرع العمل السياسي والأمني الخارجي.

 

شاهد تاريخي على الإرادة الفائقة للملكيّات العربيّة الرجعيّة في تدمير مشروع الوحدة، مثّل وقتها فضيحة مدوّية جاءت على هيئة مؤامرة اغتيال لجمال عبد الناصر، وهو سقف لم تبلغه تلك الملكيّات في العداء للرجل إلا في هذا الفصل من تاريخه وتاريخ المنطقة، ما يشير إلى خطورة الوحدة المصريّة السوريّة على مصالحها، فحاول الملك سعود بن عبد العزيز رشوة عبد الحميد السرّاج لاغتيال عبد الناصر خلال زيارته الأولى لدمشق والانقلاب على الوحدة، مقابل 12 مليون جنيه استرليني دُفع جزء منها له بالفعل، بالتنسيق مع المخابرات البريطانيّة وعبْر حساب في “البنك العربي” بدمشق وتحويل بنكي، فقام السرّاج، وهو رجل أمن في الأساس، بمجاراته وأبلغ جمال عبد الناصر بالمؤامرة يوم زيارته وأعلنها الأخير أمام جموع السوريين، وعُقد مؤتمر صحفي عُرضت فيه الشيكات الماليّة وأذونات الدفع ووثائق سفر وسيط المؤامرة، ولم تتوقف مؤامرة آل سعود حتى التقت بالانفصاليين من ضباط الجيش السوري ودعمتهم بالتمويل والدعم المباشر، وصولا إلى وضع قطاع من الجيش في مواجهة نظام الوحدة ومن ثم تحقيق الانفصال.