المواجهة القادمة بين حزب الله وإسرائيل.. مقومات النصر وهاجس المفاجأة (2-2)

 

المسافة بين “التحليق الحر” لطائرات سلاح الجو الصهيوني في سماء سوريا وجنوب لبنان، سابقا، وبين إسقاط طائرة F16في سماء سوريا أمس، تمثل التحول في منطق المواجهة بين محور المقاومة والطرفين الصهيوني والأمريكي؛ فلطالما راكم محور المقاومة، بمختلف مكوناته، تحقيق الندّية في قواعد الاشتباك تدريجيا وبمنحنى تصاعدي، بما يحفظ موقفا دبلوماسيا “دوليا” لا يضعه في خانة الباديء بالحرب، ويتصاعد في الوقت ذاته، خطوة بخطوة وفق اقتراب الكيان الصهيوني من الساحة المباشرة للمواجهة العسكرية، وتفاصيل الاقتراب، مع مراعاة عدة عوامل في مقدمتها التوقيت والسياق المباشر للموقف والتقدير الآني وبعيد المدى له، والموقع الروسي من الصراع. من هنا بدأ الجيش العربي السوري، منذ بضعة أعوام، عازفا عن مواجهة الاعتداءات الجوية الصهيونية مباشرة، وانتهى أمس إلى إسقاط قطعة من أقوى وأكفأ ما يملكه العدو من مقاتلات متعددة المهام، F16الأمريكية المطوّرة، بعد أيام من إسقاطه صواريخ موجّهة أُطلقت من فوق الجنوب اللبناني.

من ناحية أخرى جاء الصعود العملي، لا الإعلامي، لمحور المقاومة في المنطقة واتّساع نفوذه (خصما من المحور الأمريكي السعودي) انعكاسا لتطور مادي وتقني مركّب يشمل الكمّ والكيف، وليس ناتجا مباشرا عن إلحاقه الهزيمة بداعش فحسب، من هنا يمكن فهم حديث الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، عن كون المواجهة المقبلة مع الكيان ستفتح الباب لـ “آلاف المقاتلين من جنسيّات عدّة”، وفق قوله، في إشارة إلى أن العدو سيجد حين المواجهة عوامل غير متوقَعة لم يعرفها، ومغايرَة لما قد يعرفه، عن إمكانات الحزب، التي لم تُعرَف كاملة رغم اتّساع معركة سوريا بما يكشفها.

العرض التالي لقدرات حزب الله البريّة يستند إلى بحث مطوّل استصدر بياناته بشكل رئيسي من تقارير روسية، رصدت الهيكل التنظيمي للحزب والقوام الأساسي لقوّاته، مصنَفة وفقا للحجم والتوزيع الجغرافي، وترسانته الصاروخية المتنوّعة حجما ومدى، وسلاحي المدرّعات والمدفعية الثقيلة المستحدثَين خلال مشاركة الحزب في الحرب السوريّة، ووحدة الدفاع الجوّي الصغيرة الناشئة، التي لم تتضح معالمها بعد، مما يدفع بتكثيف التحليق الصهيوني في الأجواء اللبنانية واستخدامها في قصف سوريا، مؤخرا، لاستنفار أي إمكانات للدفاع الجوي لدى الحزب وبالتالي رصدها، أو تدميرها إن أمكن.

القوى البرية

تشير التقارير إلى أن إجمالي مقاتلي الحزب، شاملا قوات التعبئة أي الاحتياط، يبلغ نحو 65 ألف مقاتل، بينهم 21 ألف مقاتل مدرّب محترف، وخاض من 8 إلى 10 آلاف منهم الحرب السوريّة في مواجهة الإرهاب، وهي التي كفلت وفق التقارير حدوث تحوّل للعقيدة القتالية لقوات الحزب، التي كانت دفاعية تعتمد على الارتكاز والكُمون في مناطق حرشيّة وريفية – شِبه حضريّة بوحدات قتالية صغيرة تختص بتكبيد الخصم أكبر خسائر ممكنة في الأفراد والمعدات، أي تعمل بشكل رئيسي على تحقيق هدف الاستنزاف والردع وليس الاقتحام وبسط السيطرة.

جاءت نقطة الانطلاق لهذا التحوّل بدخول القوات إلى مدينة القصير الحدوديّة في مايو ويونيو عام 2013، وقد سيطر عليها الإرهابيون لأكثر من عام مما أكسبها تحصينا دفاعيّا فائقا، ومع تسارع إيقاع الحرب السوريّة ذلك العام وجّه الحزب، في عجالة، من 1200 إلى 1700 مقاتل إلى القصير، تم تقسيمهم إلى 17 سريّة مقاتلة شكّلت فيما بعد من 3 إلى 5 فِرَق، كما قسّمت الخطة الهجومية المدينة إلى 16 قطاع؛ ورغم الفارق الكبير في العدد لصالح الإرهابيين سيطرت القوات على المدينة بنسبة خسائر 5:1 لصالحها، واكتسب العقل التخطيطي للحزب تجربة الهجوم بعدد قليل على عدد أكثر في مدينة محصّنة، في نمط الحرب “غير التقليديّة” أي الأقرب لحرب المدن والشوارع، كما برزت الحاجة إلى وضع تصوّر قتالي خاص للعمليات الهجومية في المدن، فقام الحزب بتعديلات جوهرية على تدريبات المقاتلين ومنهجها، وعزز إمكاناته في مجال أنظمة الاستطلاع وأضاف إلى عتاده ما فرضه المستجَد العملي من أسلحة ثقيلة، مما أدّى، بتوالي سنوات الحرب ومراحلها، إلى تشكيل وحدتي مدفعيّة ومدرعات مكتملتَين.

القوام الأساسي

ترصد التقارير تمتع حزب الله في جنوب لبنان بشبكة بالغة الاتساع من الأنفاق والأقبية الحصينة، تمكّنه من نقل عدد كبير من القوات للقطاع الجغرافي المطلوب دون التعرض لرصد الطيران الصهيوني، وتقدّر التقارير مكوّنات الشبكة بنحو 950 موقعا، تشتمل على نحو 550 قبوا حصينا متعدد الأغراض و300 موقع مراقبة و100 موقع لوجيستي مختصّ بالمرافق العسكرية.

من الخط الفاصل مع فلسطين المحتلة إلى نهر الليطاني، يتمركز لواءان رئيسيّان للحزب يضمّان 7 كتائب مشاة منها 5 كتائب مشاة ميكانيكية (وفقا للتقليد العسكري يضمّ اللواء الواحد من كتيبتين إلى 5 كتائب)، ويبلغ قوام اللواءين الأساسي نحو 1700 مقاتل، أولهما لواء الجليل، وهو القوة الضاربة الرئيسية للحزب في الجنوب، والمختصّة بفتح الطريق البري إلى شمال فلسطين المحتلة حال تنفيذ الحزب وعده بتحرير الجليل، والثاني لواء النصر، الخاضع لقيادة مباشرة من حسن نصر الله، الأمين العام للحزب، وإلى الشَمال، حيث محيط شمال نهر الليطاني، يتمركز لواء بدر المُجهّز للتقدم نحو الجنوب حال نشوب المعركة، ومثله لواء حيدر المتمركز في البقاع الجنوبي؛ وتشير التقارير إلى أن كل لواء مقاتل في محيط جنوب لبنان بات مختصّا، وفق الاستراتيجية الجديدة للحزب، بالسيطرة على قطاع بعينه من شمال فلسطين المحتلة.

من ناحية أخرى، تضم القيادة المناطقيّة للحزب في البقاع، شرق لبنان، 7 كتائب مشاة منها 3 كتائب مشاة ميكانيكية تضمّ نحو 1700 مقاتل، كما ترتكز كتيبتا مشاة، منهما واحدة ميكانيكية، في جنوب بيروت حيث البيئة الحاضنة شعبيا للحزب.

ويمكن القول إن ارتكاز القوات البريّة في وسط وشمال البقاع، على الحدود السورية، سيمثّل رصيدا احتياطيا فارقا حال اندلاع مواجهة بريّة في الجنوب، بعد تطهير غرب سوريا وحدوده مع لبنان من الحضور الإرهابي، والسيطرة الكاملة والمستقرّة للجيش السوري على خط حمص – ريف دمشق – دمشق، مما يتيح لتلك القوات الاندفاع نحو الجنوب بسرعة عالية وفي أي وقت، وتحت غطاء من الدفاعات الجوية السوريّة المرتكزة في دمشق وريفها إن تطلّب الأمر.

وعن المدفعيّة والمدرّعات، رصدت التقارير امتلاك الحزب لعدد من الدبابات من نوع T55وT62، ودبابات T72الأكثر تطورا وفاعليّة، إلى جانب عدد أكبر من المدرّعات من نوع Bmp1و2 وM113، وجميعها قد تستمد الفاعلية الهجومية في مواجهة الجيش الصهيوني من كفاءة قوّات الحزب في استعمال مضادات الدروع الخفيفة، وعلى رأسها الكورنت، إذ استطاعت عام 2006 تحييد فاعليّة سلاح المدرّعات الصهيوني على الأرض بشكل شِبه كامل، كما تشير التقارير إلى امتلاك الحزب لعدد غير معلوم من الراجمات المدفعية التقليدية قصيرة ومتوسطة المدى، تطلق صواريخ من نوع خيبر المطوّر عن الكاتيوشا، وتبلغ زِنة رأسه الحربي 175 ك.ج ومداه 100 ك.م، مما يوفّر تمهيدا ناريّا على قدر من الكثافة يسمح بتقدم القوات البريّة نحو المواقع المطلوب السيطرة عليها.