المنطقة على نار صفقة القرن!

نُقِلَ عن جيسون جرينبلات موفد ترامب الى المنطقة خلال اجتماعه بالقناصل الأوربيين في القدس المحتلة قوله أن طبخة صفقة القرن على النار”، ولم يتبق سوى إضافة القليل من الملح والبهارات “قبل الإعلان عنها. وكما يبدو فأن الخطة ستأخذ بالمطالب الإسرائيلية بشأن القدس واللاجئين والأمن والمستوطنات.

وكان ترامب أزاح القدس المحتلة من طاولة المفاوضات عندما أعلن إعترافه بها عاصمة للكيان الصهيوني، ويسعى حالياً لتصفية قضية اللاجئين من خلال إنهاء عمل الأونروا بذريعة ان الأجيال الجديدة ليست لاجئة؛ لأنها ولدت في أرض جديدة كما قال جرينبلات مضيفاً “ندعم الوكالة لكن ليس إلى الأبد، نريد نهاية محددة ومستعدون للإلتزام بها”، مؤكداً أن الخطة الجاري إعدادها “للتنفيذ وليست للتفاوض، فإما أن يقبلها الفلسطينيون وإما أن يرفضوها، لكن لايمكننا التفاوض عليها”، وهي خطة للإقليم، الفلسطينيون طرف فيها لكنهم ليسوا الطرف المقرر، بل الإقليم”!.

ويعني ذلك أنه ليس مهماً موافقة الفلسطينيين عليها، فالهدف من الصفقة هو إقامة تحالف إقليمي يضم العرب وإسرائيل لمواجهة ماهو أكثر أهمية من قضيتهم وهو مقاومة “الخطر الإيراني” و”الإرهاب” كما قال جرينبلات، والإرهاب في العُرف الأمريكي ليس القاعدة وداعش فقط بل كل حركات المقاومة ضد الكيان الصهيوني.

صفقة القرن إسرائيلية
أمّا معالم الخطة الأمريكية الأخرى، والتي يمكن توقعها من واقع المواقف الإسرائيلية، فهي كما قال نتنياهو “إستمرار سيطرة كيانه على غرب نهر الأردن وهذا شرطنا الأول”، إضافة إلى ضم المستوطنات التي حؤّلت خارطة الضفة الغربية على حد تعبير أوباما مؤخراً ” إلى خارطة جبنة سويسرية (مليئة بالثقوب)، حيث من المستحيل بناء أي دولة فلسطينية”.

فيما ستقدم صفقة القرن هذه للفلسطينيين موافقة بالبناء على أراضي المنطقة ج والتي تشكل أكثر من ثلثي مساحة الضفة المحتلة مع بقاء السيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة عليها، وموافقة إسرائيل على بناء مشروعات بنية تحتية في قطاع غزة والتعاون مع السلطة في مسألة دخول السلاح إلى القوات الأمنية، وبالإجمال سيتم الإعتراف للفلسطينيين بكيان له صلاحيات واسعة لكنها محدودة في مجال الأمن حيث “يمكنهم أن يحكموا أنفسهم دون أن يهددوا إسرائيل، ومن دون ضم الفلسطينيين كمواطنين تابعين لنا مع علم وسفارة خاصة بهم” كما قال نتنياهو في دافوس، موضحاً بعد لقائه وزير الخارجية الألماني “هل ستعتبر عندئذٍ دولة حين نكون نحن من يسيطر على الأمن ؟ إنها مسألة أخرى، وأفضل ألا نبحث عن تسميات انما الجوهر”.

وسيعتبر هذا الكيان بمثابة وطنٍ قومي للفلسطينيين عاصمته رام الله أو أبوديس، واستثناء اللاجئين الذين سيوطَّنون في الدول الموجودين فيها، واعتبار “إسرائيل”بعاصمتها القدس وطنا قومياً للشعب اليهودي.
وبما أن الهدف من الخطة إقامة تحالف إقليمي يضم “إسرائيل” والعرب فستتضمن دعم ومشاركة فعالة من الدول العربية لعقد قمة سلام إقليمية بمشاركة مسؤولين من السعودية والإمارات ودول عربية أخرى بحضور “إسرائيل”.

لماذا هذا الانحياز الأمريكي الفج لإسرائيل ؟
وهكذا يبدو واضحاً أن صفقة القرن التي يقوم على صياغتها الثلاثي الصهيوني كوشنر-فريدمان -جرينبلات هي خطة إسرائيلية من ألفها إلى يائها ، وهنا يطرح السؤال نفسه لماذا هذا الإنحياز الأمريكي الفج والمطلق لإسرائيل؟؟.

الانحياز الأمريكي لإسرائيل ليس جديداً، فآرثر بلفور لم يُعلن عن وعده لليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين إلا بعد التنسيق مع وودرو ويلسون الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت وموافقته عليه، وقيل وقتها أن ويلسون وافق على الوعد تحت تأثير صديقه برانديس القاضي اليهودي في المحكمة العليا الأمريكية. وبعد قيام الكيان الصهيوني في فلسطين تعددت التفاسير حول علاقاته الخاصة والفريدة من نوعها مع واشنطن التي لم تشهد العلاقات بين الدول مثيلاً لها في قوتها واستمراريتها، ومع إدارة ترامب انتقلت من علاقات خاصة إلى علاقات إستثنائية، كما قال الدبلوماسي الأمريكي أهارون ميلر الذي كان عضواً في طواقم أمريكية للسلام خلال فترة إدارات أمريكية مختلفة. وتم تفسير ذلك بأن الصهاينة المسيحيون أو الأنجليكانيون يشكلون القاعدة الأساسية لترامب ونائبه مايك بينس أحد أقوى الأطراف في التيار الأنجليكاني الأمريكي، وهؤلاء يؤمنون بتحقيق النبوءات التوراتية بشأن عودة الشعب اليهودي إلى صهيون، وتعتقد هذه الجماعة أن من يدعم الشعب اليهودي ودولته سوف يباركه الرب، ومن يحارب اليهود ويعارض عودتهم إلى صهيون سوف يعاقبه!
وعندما زار نائب الرئيس الأمريكي فلسطين المحتلة وألقى كلمة في كنيست الإحتلال عرض قراءة صهيونية محكمة حول الحقوق الدينية والتاريخية لليهود في “أرض إسرائيل”بشكل يتجاهل كلياً الوجود التاريخي للشعب الفلسطيني في وطنه. المفارقة أن بينس هذا وهو أحد كبار زعماء الأنجليكانيين الذي يدافع عن حق اليهود في فلسطين، ويقول عن نفسه إنه يقرأ التوراة يومياً ويقتبس منها في خطاباته ، وأنه يزور “أورشليم”في قلبه ملايين المرات يوميا أيضا، إلتقى قبل زيارته للكيان الصهيوني جوناثان ساكس كبير حاخامات بريطانيا واجتمع به لمدة ساعة ونصف ليساعده بكتابة أجزاء من خطابه ، التي تربط “الشعب اليهودي” بأرض إسرائيل وايّ الآيات التي أشارت إلى ذلك في التوراة!ةهل يكفي هذا لتفنيد الزعم بتأثير الصهاينة المسيحيين على إدارة ترامب؟ وهنا نعود إلى طرح السؤال نفسه ، إذن ما الذي دفع إدارة ترامب لهذا الإنحياز الفج لتل أبيب؟.

استكانة العرب وراء إنحياز ترامب لإسرائيل
في مايو ٢٠١٥ وصف ترامب السعودية بـ”البقرة الحلوب”وطالبها بدفع ثلاثة أرباع ثروتها مقابل الحماية التي تقدمها أمريكا لها داخلياً وخارجياً . وقال ترامب الذي كان مرشحاً للرئاسة الأمريكية وقتها وبالحرف :” آل سعود يشكلون البقرة الحلوب، ومتى جف ضرع هذه البقرة ولم يعطِ الدولارات والذهب عند ذلك نأمر بذبحها أو نطلب من غيرنا ذبحها أو نساعد آخرين على ذبحها، وهذه حقيقة يعرفها أصدقاء أمريكا وأعداءها وعلى رأسهم آل سعود “، فهل شعر آل سعود بطعنة ترامب لكرامتهم؟ الجواب لا ، بل أكثر من ذلك إزداد رضوخهم وانصياعهم لترامب، فعقدوا معه صفقات بمئات المليارات، وقدَّم بن سلمان نفسه له على أنه رجل أمريكا في المنطقة كي يزيح ابن عمه نايف من طريقه إلى العرش، واُستُقبِلَ في الرياض استقبال الفاتحين وقَدَّمَ له رؤساء عرب ومسلمين ولاء الطاعة. وبعد ذلك رضخوا هم وبقية العرب لإعترافه بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني! وحاولوا إقناع الفلسطينيين والضغط عليهم لقبول رام الله أو أبوديس بديلاً عنها ، هذه من ضمن أمثلة كثيرة فاقعة وفجة على الإستكانة والهوان والضعف العربي، والتي تجعل الآخرين لا يحسبون أي حساب للعرب ولا لكرامتهم ولا لمصالحهم، ويعاملوهم معاملة التابعين، فمن يهُن يسهُلِ الهوانُ عليه …مالجرحٍ بِميِّتٍ إيلامُ.

صفقة القرن صفعة لكل العرب وليس للفلسطينيين فقط ومؤشر إلى الدَّرْكِ الذي بلغوه، وهي صفقة فيما لو رأت النور ستكون تتويجا لهيمنة إسرائيل على المنطقة وبدء العصر الإسرائيلي، فهل ينقلب السحر على الساحر فتفجر هذه الصفقة مخزون الذل والهوان المزمن وتكون بداية لصحوة عربية دفاعاً عن الوجود والكرامة والمصالح العربية؟.

كاتب سوري