المعرفة بين المتصوفة والفلاسفة الإشراقيين (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

يصعب على المتابع لأحوال المتصوفة وأدبياتهم أن يجد تعريفا جامعا مانعا لمفهوم “العرفان الصوفي” حتى في أشهر المؤلفات التي تخصصت في كشف اصطلاحات القوم كالكاشاني، وابن عربي وغيرهما، والحق أن التعريفات الجامعة المانعة في لغة الصوفية أمر متعذر على وجه العموم فالإصطلاح الذي يحمل معنى ما عند أحد المتصوفة قد  يشير إلى معنى مغاير تماما عند صوفي آخر، ربما لاختلاف التجارب وتمايز المشارب، وربما يكون أمرا متعمدا منهم ليبقى اصطلاحهم حكرا عليهم لا يلج إليه إلا من أذنوا له، وبذلك يكونوا قد أعفوا أنفسهم من مؤنة الاتهام.

 

والعرفان اصطلاح وإن جرى استخدامه عند الكثيرين للتعبير عن درجة بعينها من درجات الترقي الصوفي، إلا أنه مجرد وجة من أوجه جوهرة مضيئة ربما تحمل الوجوه الأخرى لها معاني أخرى كالذوق والكشف والمشاهدة والتجلي والفيض والمعرفة، وهو أحد مصادر الفعل  (يعرف) (عرف- يعرف- معرفة، وعرفانا)، وعلى الرغم من اشتقاقه كما أسلفنا من ممارسة فعل المعرفة؛ إلا أن مفهومه الإجرائي أصبح يتخذ معنا مختلف، ويتجلى هذا الاختلاف في وجهين.

 

الوجه الأول فيتعلق بوسيلة تحصيل هذه المعرفة ذاتها، إذ بينما يقع الاتفاق على الحواس أو العقل كوسائل لتحصيل المعرفة بين عموم البشر؛ فإن المتصوفة لا يثقون في المعرفة التي قد تأتي بها الحواس أو العقل، لأنهما كثيرا ما أدى الوثوق بهما إلى معرفة خاطئة، ولأن المعرفة التي تتأتي إليهما سواء كانت عن طريق الحواس مباشرة أو ما يصل إلى العقل من خلال الحواس، فيبقى أن الحواس جوارح والجوارح محل عمل الشيطان من وجهة نظرهم، ومن ثم فهي ليست محلا للوثوق، وإنما يعتمدون على  الذوق ومحله القلب؛ وذلك يحدث بعدما تتم تجلية القلب من كدور النفس ورعوناتها، ويصبح مهيئا لتلقي الواردات الإلهية.

أما الوجه الآخر فيرجع إلى موضوع تلك المعرفة، فالمعرفة المستهدفة من وراء مكابدة التجربة الصوفية لا تدور حول موضوعات الواقع الحياتي، ولا تفسير ظاهرة طبيعية من الظواهر، وإنما تستهدف لونا من المعرفة الغيبية تختلف بحسب درجة ترقي الولي، فقد تكون معرفة غيبية متعلقة بأسرار كونية أو التعرف على حقيقة الصفات الإلهية ؛ وهي ما يسمى بالكشوف.

 

وقد يكون العرفان من باب المشاهدة، والمشاهدة هي شهود الذات بارتفاع الحجاب مطلقا ومعها تكون درجة العرفان الكلية، وهي التي يعبر عنها بالفناء حينا وبالاتحاد حينا آخر، فالعرفان، والاتحاد، والفناء هي – كما يقول الدكتور أبو العلا عفيفي-  تعبيرات مختلفة لمعنى واحد، ولذلك يقول الكاشاني في تمييزه بين الكشف والمشاهدة “المشاهدة هي درجة ولاية الذات كما أن المكاشفة في ولاية النعت”. يعني أن الأولى هي الكشف الكلي للذات الألهية بالرؤية القلبية للمتعبد أو الولي، أما المكاشفة فهي متعلقة بالتعرف على أسرار وفاعلية صفة أو أكثر من صفات الذات .

من ذاق عرف

كما يخطىء من يظن أن العرفان منهجا خاص بصوفية المسلمين وحدهم، وإنما هو وسيلة متعارف عليها عند سائر التيارات الروحية في تاريخ الإنسانية لاسيما في الهند وفارس، وتبدو نتائجهم العرفانية متشابهة في كثير من الأحيان، وهذا هو السبب في محاولة الكثير من الباحثين العرب والمستشرقين اكتشاف مصادر التصوف الإسلامي في التجارب الروحية لدى الحضارات القديمة، وقد يكون لهذا وجاهته إذا مالاحظنا أن التصوف الإسلامي بدأ من البلدان التي ارتبطت إما ثقافيا أو جغرافيا أو كانت طرفا من أطراف تلك الحضارات القديمة، كمصر وبلاد الشام اللتين عرفتا الفلسفة المثالية من خلال الأفلاطونية المحدثة، وحياة الرهبنة من خلال رهبان النصارى، والعراق التي خضعت للحضارة الفارسية قبل دخولها الإسلام أو دخول الإسلام إليها.

لكن وجهة النظر سالفة الذكر يعوزها أن ترى في نشأة التجربة الصوفية الإسلامية لاسيما مع مطلع القرن الثالث الهجري أنها كانت بمثابة ردة فعل تجاه التفسيرات الجامدة التي ألحقها الفقهاء والمحدثين بالدين الإسلامي والتي لم تكن ترضي بحال من الحوال أصحاب النزوعات الروحية، يفوتها كذلك أنه مع عدم إنكارنا لمسألة التأثير والتأثر- وهو أمر متعارف عليه حضاريا- تقدير وحدة التجربة الإنسانية وأن التقارب بين أصحاب النزعات الروحية لايعود فقط  إلى عامل التأثير وإنما إلى تشابة النفوس البشرية على اختلاف ثقافتها من ناحية، ووحدة الغاية التي تتجه إليها سائر هذه النفوس من ناحية أخرى، وهي (الله) ؟؟أو المطلق بتعبير الفلاسفة.

لسنا هنا بصدد بيان مصادر التصوف الإسلامي، لكن ما أردنا أن نقوله هو أن الإسلام الذي قدمه هؤلاء الفقهاء أو المحدثين والقائم على فكرتي الخوف من النار أو الطمع في نعيم الجنة؛ أو الترغيب والترهيب- بتعبير بعضهم-  لم يكن ليروي ظمأ العديد من المتعطشين لمعرفة الحقيقة الكلية التي تقبع خلف هذا كله، فلم يكن يرضي البعض أن يتحول الإسلام إلى مجموعة جامدة من القواعد والأشكال والأوضاع خاليا من الروحانية العميقة ومن العاطفة، لذلك يذكر ابن عبد البر في كتابه”مختصر جامع بيان العلم وفضله” أن ابن منبه أرسل إلى ابن مكحول المتوفي(132ه) يقول له “إنك امرؤ قد أصبت فيما ظهر من علم الإسلام شرعا، فاطلب بما بطن من علم الإسلام عند الله محبة وزلفى”، لكن يبقى للفلاسفة وجه آخر في طرق التحصل على المعرفة ووسائلها.