التهديد الصهيوني لغزة.. إلى أين؟

 

شمالا نحو الحدود مع لبنان وجنوبا نحو غزة، يجرى جيش الاحتلال الصهيوني مناورات تدريبية وتحضيرات عسكرية في الآونة الأخيرة، صحبتها سلسلة من التصريحات لمسؤولين عسكريين وسياسيين تراوحت مضامينها بين التهديد والتحذير والتباكي على “الأزمة الإنسانية” في غزة، مع جولة لمبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى الشرق الأوسط، المحامي اليهودي ذي الميول الصهيونية جيسون جرينبلات، الذي أجرى جولة تفقدية لحدود القطاع الشمالية ضمّت أنفاقا مكتشَفة حديثا حفرتها المقاومة، وزيارات لعائلات الجنود الصهاينة الأسرى في غزة، كجزء من جولته الأوسع التي شملت الأردن، ولقاءات بقناصل الدول الأوروبية في القدس المحتلة ولدى السلطة الفلسطينية، أبلغهم خلالها أن “الصفقة الكبيرة” للسلام، التي يضعها مع جاريد كوشنر صهر ترامب ومستشاره ومسؤول العلاقات مع مملكة آل سعود، وآخرين، يجري إعدادها كـ”طبخة” فوق النار لا ينقصها سوى القليل من الملح والبهارات، وفق تعبيره.

ميدانيّا، شهد وزير الداخلية والشؤون الاستراتيجية للاحتلال، جلعاد إردان، مناورة مشتركة بين الجيش والشرطة في عسقلان، شمال غزة، شملت محاكاة لصد هجمات متوازية من ناحية القطاع، وإجهاض لتسلل مقاتلي حماس من البحر أو من أنفاق، ووضع نقاط تفتيش وإغلاق للمستوطنات والطرق، وإنشاء مراكز مراقبة على الشواطئ وتعبئة قوات خاصة، وعلى الجبهة الشمالية يعد جيش الاحتلال لأكبر مناورة للواء المظليين في السنوات الأخيرة، تبدأ منتصف العام الجاري، ويشارك فيها عدد من الوحدات الخاصة مع استخدام للمرة الأولى لطائرات “شمشون” وللمظلات الجديدة التي تلقّاها الجيش من شركة ايربورن الأمريكية، والتي تسمح بالهبوط في تضاريس أصعب وأكثر تنوّعا، ما يشير إلى استعداد صهيوني، يشوبه التردد بحكم عوامل عديدة، للتدخل البرّي في المعركة القادمة مع لبنان.

خيارات العدو

تعمل الآلة العسكرية الصهيونية منذ سنوات باستراتيجية “الضربات الجراحية”، بعد مسار طويل من الدراسة والبحث شمل فحص نتائج تحقيق لجنة فينوجراد اللاحقة لهزيمة 2006 أمام لبنان وحزب الله، وبمواكبة نشاط المقاومة (على تنوّعه) والتطوّرات في إمكاناتها؛ تقوم الاستراتيجية على منع المقاومة وحلفائها من تحصيل أسلحة وإمكانات أو الحضور في نقاط حيوية تقلب ميزان القوى لصالحهم، وليس على “إزالة” المقاومة بالضرورة كعهد ما قبل 2006 أو ضرب حلفائها ضربة ناجزة وكبيرة، وتُعلي من دور الرصد الاستخباري والمراقبة بالغة الدقة لكافة الجبهات والأهداف الميدانية، وهذا ما تتيحه التكنولوجيا فائقة التطوّر، مع القيام بعمليات جوّية دقيقة، تجهض أي تقدّم جغرافي للمقاومة وأدواتها، كالأنفاق التي تصل غزة بغلاف المستوطنات والمدن المحتلّة أو حضور قوات حزب الله في الجولان السوري المحتلّ وعلى تخومه، وتمنع التقدّم النوّعي في القدرات العسكرية، الصاروخية وغيرها، كقصف مراكز أبحاث وقواعد عسكرية ومخازن أسلحة سورية، وقوافل الصواريخ والأسلحة الإيرانية المنقولة إلى حزب الله عبر سوريا.

من هنا، يذهب السعي الصهيوني الحالي بشأن غزة، إجمالا، إلى تحقيق الردع والضغط وليس الاستئصال، ما انعكس في محاولات استغلال الأزمة الإنسانية للقطاع وما به من غضب شعبي تغذّيه الأزمة وتدعم انفجاره، فحمّلت تصريحات المسؤولين الصهاينة حماس مسؤولية الأزمة، ووزّعت سلطات الاحتلال على المسافرين عبر معبر إيريز استبيانا باللغة العربية، شمل أسئلة ذات دلالات سياسية وأمنية حول الوضع المعيشي والاقتصادي والأمني، ما يشير إلى أفق جديد لدى الاحتلال للتعامل مع خطر المقاومة في غزة “سياسيا”، أي الرهان على انقلاب شعبي داخلي في مواجهة حماس، أو حالة فوضى، ما يفتح الباب أمام حلحلة الموقف لإظهار خيار صهيوني جديد، يرغم الحركة على تقديم المزيد من التنازلات والضمانات لأمن الكيان الصهيوني.

يمكن القول إن ضرب غزة يرتبط بحدوث تغيّر فارق، إما في القوة العسكرية الصهيونية أو في الواقع الموضوعي لغزة على الأرض، بما يضمن، ولا “يتيح” فقط، التغلب على ارتفاع التكلفة والخسائر في مقابل تواضُع وضبابية الأهداف العملية لضرب القطاع.

خيارات المقاومة

يضمّ غلاف غزة نحو 30 مستوطنة صهيونية، تقع جميعها في نطاق الصواريخ التي تملكها المقاومة في القطاع والتي يمكنها، حال تفعيلها عمليّا، شلّ الحياة في مدى متوسط من الكيلومترات حوله، بصرف النظر عن عنصر الدقّة الغائب نسبيّا في الترسانة المُتاحة، ومع بقاء عنصر للمفاجأة النوّعية يضعه جيش الاحتلال في الاعتبار، بناء على سؤال أمني كبير حول مدى تسرّب التقنية الصاروخية الإيرانية إلى المقاومة في غزة خلال السنوات الأخيرة، بما قد ينعكس، على الأرض، في مستوى جديد من دقّة الإصابة أو طول المدى، فيعوّض تواضع وزن الرأس الحربي للصواريخ أي قدرتها التدميرية وقُطر تأثيرها.

من هنا، تتضح إحدى سمات مشروع مقاومة جيش الاحتلال (باستخدام سلاح الصواريخ) في الجبهتين الجنوبية والشمالية، كليهما، أي قدرة تأثيره على الأمن العام وسير الحياة الطبيعية في الكيان الصهيوني، ومن ثم على اقتصاده وتماسكه الاجتماعي، في ظل انحصار مركزه ونقاطه الحيوية داخل شريط ساحلي طوليّ ضيق، تطاله صواريخ حزب الله، وتناثُر بؤره الاستيطانية حيث يعيش “مدنيّون” يلتزم بحمايتهم، جنوبا في محيط عسقلان وبئر سبع وغزة وشمالا في الجليل الأعلى.

من ناحية أخرى، تدرك الإدارة العسكرية الصهيونية استحالة الاجتياح أو القيام بعملية بريّة، بشكل ناجز وسريع، للقطاع أو جزء منه، كنتيجة طبيعية لدرس حي الشجاعية عام 2012 حين تورَط لواء النخبة في مأزق قتالي مهلِك لم يجِد التعامل معه، فضلا عن الصعوبة الموضوعية لتحقيق أهداف مثمرة بعينها بريّا، إذ تكمن الخطورة بخصوص غزة في الترسانة الصاروخية بشكل رئيسي، وهو ما يمكن التعامل معه، في الحد الأدنى، جوّا دون تحمّل تكلفة سقوط قتلى، أوالمزيد من الأسرى الذين يمثّل استردادهم معضلة عجز جيش الاحتلال عن حلّها لسنوات؛ ورغم ثراء بنك الأهداف الاستخباري الصهيوني “البرّي” غير المتعلق بالصواريخ، تظل الإفادة منه بالغة التعقيد ميدانيّا وتتطلب وقتا لا تسمح به إجادة المقاومة لاستخدام الأنفاق الداخلية للقطاع في القتال البرّي، والتي تكفل، مع طوبوغرافيا المكان، إيقاع خسائر بالغة وسريعة بالقوة المهاجِمة إلى حد استنزافها (وإن توغّلت بالفعل)، حتى في ظل التمهيد لهجومها ومرافقته بقصف جوي قريب داعم.