“الأشرار” الذين يحاربهم الرئيس

لم تكن المعانى التى كان الرئيس يقصدها واضحة بالشكل الكافى فى كلمته التى ارتجلها على هامش الاحتفال بافتتاح المرحلة الأولى من حقل ” ظهر ” ، وهدد فيها “كل الأشرار” الذين “يلعبون” فى أمن مصر ب”إجراءات أخرى ” ، ملوحا بمواجهة الجيش لهم، وبأنه لن يسمح لهم بتحقيق أهدافهم حتى لو كان الثمن حياته هو شخصيا!.

المؤكد أن الرئيس لم يكن يحارب طواحين الهواء، فالحدة والعصبية التى كان عليها توحى بأن هناك أمرا جللا يحدث فى الظلام يراه هو وحده بوضوح، يهدد بإسقاط النظام كما فهم البعض، أو إسقاط الدولة كما قال الرئيس، لكن الأكثر إثارة من كل ذلك أن أحدا لم يعرف – حتى الآن – من هم بالضبط هؤلاء الأشرار؟ وماذا كانوا يفعلون على وجه التحديد؟ وهل هم جزء من مؤامرة دولية؟ أما السؤال الأهم فهو: هل كان ينبغى أن يوجه الرئيس هذه الرسالة النارية لهؤلاء الأشرار بهذه الطريقة الغامضة التى جعلت الجميع يضربون أخماسا فى أسداس، فى حين توجس البعض من حملة اعتقالات واسعة قادمة فى الطريق؟!.

التخمينات التى انطلقت لتفسر كلام الرئيس استبعدت الإخوان المسلمين من دائرة تحذيراته فى كلمته هذه، ورجحت أن تكون الحركة المدنية الديمقراطية التى أعلنت مقاطعتها للانتخابات الرئاسية ووصفته بالمهزلة، هى التى أشعلت غضب الرئيس، وجعلته يقول أنه سيطلب تفويض شعبى مرة ثانية لمواجهتهم!.

قد يكون غضب الرئيس راجعا أيضا إلى حملة الهجوم الشرس التى تشنها عليه الصحف العالمية، والتى أدانت استبعاد أحمد شفيق وسامى عنان من سباق الانتخابات الرئاسية، مطالبة حكومات بلادها بعدم الاعتراف بنتائجها، فى نفس الوقت الذى من المقرر أن يناقش الاتحاد الأوروبى استبعاد عنان فى اجتماع وزراء خارجيته الأسبوع المقبل، مع ترويج فصائل معارضة فى الخارج مزاعم حول استعداد بعض الحكومات الغربية لفرض عقوبات على نظام السيسى بسبب انتهاكات حقوق الإنسان وقمع الحريات فى مصر.

أيا كانت مبررات السيسي، وأيا كانت نتيجة الجدل حول تجاوزه صلاحياته الدستورية فى تحذيراته العنيفة لهؤلاء الأشرار، فإن دائرة الاحتقان السياسى زادت عمقا واتساعا، ولم تعد المخاوف تتعلق فقط بالمصير غير الديمقراطى التى تجرى فيه الانتخابات الرئاسية والغياب الشعبى المتوقع عن المشاركة فيها، إلى التهديدات بقيام السلطة باتخاذ إجراءات قمعية ضد المعارضة بعد فوز السيسى المؤكد فيها، وهو وضع يفتح الباب أمام المجهول خاصة مع اقتران غياب أى أفق ديمقراطى يشى بقرب حدوث اصلاحات سياسية مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية التى يكابدها الغالبية العظمى من المصريين.

الأكثر من ذلك أن المخاوف أصبحت تتعلق أيضا بمحاولات تطلقها على استحياء أصوات محسوبة على السلطة تستهدف إجراء تعديلات واسعة على الدستور تتضمن فيما تتضمن زيادة سنوات مدة الرئاسة إلى 6 سنوات بدلا من 4 سنوات، بل وعدم اقتصار مدد الرئاسة نفسها على مدتين فقط، ولن تعدم هذه الأصوات الحجج لتبرير مطالبها هذه بأن الدستور لا ينبغى أن يحجر على رأى الشعب وحريته فى اختيار رئيسه، وأن الرئيس السيسى بالتحديد يحتاج إلى أكثر من مدتين لاستكمال إصلاحاته حتى نهايتها، وأنه من غير المعقول أن يأتي رئيس جديد قد لا يمتلك نفس قدرات السيسى ولا شجاعته، فيعرقل استكمال مسيرة هذه الإصلاحات!.

فى هذا المناخ، لا يمكن لأحد أن يتوقع انفراجة ديمقراطية فى الولاية الثانية للرئيس عبد الفتاح السيسي، كل المؤشرات الحالية تكاد تؤكد على أننا سنكون أمام قبضة حديدية أكثر خشونة خلال السنوات الأربع المقبلة، خاصة مع فشل خطط الإصلاح الاقتصادي فى تخفيف وطأة الأزمات المعيشية وفى كبح الزيادات المتتالية فى أسعار كل السلع والخدمات الأساسية، مع التصاعد المتوقع للمعارضة والاحتجاجات الشعبية.

الانتخابات الرئاسية الباهتة التى بدأت عجلتها فى الدواران، تخفى تحت سطحها البارد أتون يغلى من الغضب العام، ويحمل فى طياته كل الاحتمالات، لكن الأمر المؤكد فيها أن حرب السيسى على من يسميهم الأشرار ليست هى الطريقة المثلى لنزع فتيل هذا الغضب، ولا حتى ترويضه فى الحدود الآمنة، بل ربما يكون الاستماع إلى ما تطالب به فصائل عديدة من هؤلاء الأشرار من إصلاحات سياسية وديمقراطية هو الحل الوحيد لمستقبل أفضل للمصريين!.