الأردن والسعودية.. خلافات تتجنب التصعيد

 

عادت الخلافات السعودية الأردنية للظهور على الساحة مجددًا؛ حيث اشتعلت بين الطرفين على خلفية العديد من المواقف التي خرجت فيها عمان عن طوع الرياض، الأمر الذي دفع الأخيرة إلى محاولة لي ذراعها الاقتصادي والسياسي.

فتحت تصريحات رئيس الوزراء الأردني بالوكالة، ممدوح العبادي، ملف الخلافات السعودية الأردنية مجددًا، حيث قال للإذاعة الأردنية، على المواطن الأردني أن يعي أن بلاده تدفع ثمن مواقفها تجاه القدس، وإن التخلي عنها مقترن بتدفق المساعدات، وأضاف أنه لا يوجد دعم من السعودية كما كان سابقًا، وأن الاعتماد على النفس، الحل الوحيد، مؤكدًا على “غياب دعم من الأشقاء”، فيما نبّه إلى ضرورة استمرار متانة العلاقات الأمريكية الأردنية، مذكرًا بالتعاون الاستخباري بين البلدين، وبقدرة الأجهزة الأمنية الأردنية على اختراق تنظيم القاعدة في أفغانستان.

تصريحات العبادي تأتي بعد أيام من دعوة الحكومة الأردنيين إلى تفهم موقفها، حيث تحدثت قبل أيام عن عجز خانق في الموازنة وعن قطع المساعدات والمنح عنها، وقال ملك الأردن، عبدالله الثاني، في لقاء عقده منذ أيام مع بعض طلاب الجامعة الأردنية، إن “قطع المساعدات الدولية يرتبط بالموقف الأردني المدافع عن القدس”، والتصريحات رأى فيها مراقبون محاولة من ملك الأردن لتبرير زياردة ضريبة المبيعات وأسعار الوقود ورفع الدعم عن أسعار الخبز مؤخرًا، وهي الإجراءات التي أثارت حالة من الغضب الشديد في الشارع الأردني، وأدت إلى أشتعال مظاهرات في بعض المناطق، خاصة العاصمة عمان، طالب خلالها المتظاهرون بإقالة رئيس الحكومة الأردنية، هاني الملقى، وحل مجلس النواب.

5 أسباب تشعل الخلافات

رغم أن الخلاف بين السعودية والأردن لايزال صامتًا ولا يحتوي على تصعيدات كلامية واضحة أو ملاسنات بين الطرفين، لكن لم يعد يخفى على أحد أن الرياض وعمان باتا على طرفي النقيض، وظهر الأمر في سياسية التعالي التي تتعامل بها المملكة السعودية مع الأردن، وهو ما فندته صحيفة واشنطن بوست، مُحددة ثلاثة أسباب رئيسية للخلاف؛ حيث اعتقد الكاتب ديفيد إغناطيوس، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع المسؤولين في البيت الأبيض، في مقالته بالصحيفة، أن هناك ثلاثة أسباب للخلافات بين عمان والرياض؛ أولهما يكمن في رفض الأردن إرسال قوات للمشاركة في حرب اليمن، وثانيهما بسبب اعتراضها أيضا على الحصار الذي فرضته دول المقاطعة الأربع؛ السعودية والإمارات والبحرين ومصر، على قَطر في ظل الأزمة الخليجية التي لاتزال تستعصي على الحل، رغم مرور أكثر من ستة أشهر عليها، حيث كانت السعودية تتمنى أن تنضم الأردن لفريق المقاطعة، خاصة أن هناك 50 ألف أردني يعملون في قطر، فيما يتمثل السبب الثالث في عدم مسايرة عمان لبعض الدول العربية، على رأسها الإمارات ومصر والسعودية في شن حملة ضد قيادات جماعة الإخوان المسلمين.

وأوضح الكاتب الأمريكي أن ولى العهد السعودي، محمد بن سلمان، يتحرك لمنافسة الأردن على المكان الذي ظل يحتله، ويحاول إعادة تغليف المملكة وتقديمها كصوت للإسلام المعتدل، والذي كان مهمة الأردن الخاصة، حيث يسعى “بن سلمان” إلى تقديم نفسه كصوت تغيير في العالم العربي وهو الموقع الذي احتله الملك عبد الله الثاني، كما يدعم الأول ما تسمى بـ”صفقة القرن” بكل إمكانياته، فيما تتشكك الأردن في أمرها، حيث تتخوف عمان من دبلوماسية الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، التخريبية التي يرمز إليها قراره الذي اتخذه في ديسمبر الماضي، بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، وهو قرار سيؤدي لمشاكل داخلية في الأردن التي يعيش فيها أعداد كبيرة من الفلسطينيين.

على جانب آخر، فعلى الرغم من العلاقات الجيدة التي تربط الأردن مع أمريكا سواء سياسيًا أو عسكريًا أو استخباراتيًا، إلا أن موقع الأردن كصديق أبدي لأمريكا يواجه تحديًا جديدًا من السعودية، حيث تتقرب إدارة ترامب وبتشجيع سري من إسرائيل، من ولي العهد السعودي، الأمر الذي يُشعر الأردنيين بأنهم شريك موال لكن محبتهم منسية، حيث يأتي حماس البيت الأبيض لمحمد بن سلمان في وقت تشهد العلاقات بين عمان والرياض برودة، فيما يتعامل الرئيس الأمريكي مع الأردن على أنه حليف مضمون.

ناهيك عن الأسباب التي ذكرها مقال صحيفة “واشنطن بوست”، فإن هناك سببين آخرين يمكن أن يمثلان نقاط خلاف بين المملكتين السعودية والهاشمية يصعب التعامل معهما، ويتمحور السبب الأول حول محاولات الأردن النأي بنفسها عن صراع النفوذ الذي تقوده المملكة السعودية في مواجهة إيران، ومحاولاتها حشد التأييدات العربية والغربية لفرض المزيد من الحصار على النفوذ الإيراني، ضمن استراتيجية صهيوأمريكية تنفذها المملكة السعودية، فيما يكمن السبب الثاني في محاولات الرياض فرض وصايتها على الأماكن المقدسة في القدس المحتلة، حيث قادت المملكة مؤخرًا حربًا خفية ساعية لفرض سيطرتها ووصايتها على القدس المحتلة، وأجرت العديد من الاتصالات مع عدد من الشخصيات الإسلامية في القدس للتوجه للسعودية، لكن جهودها لم تجد، فيما وقعت ملاسنات بين الملك عبدالله ومحمد بن سلمان؛ بشأن أحقية المملكة السعودية في الوصاية على القدس، ليكون الرد الأردني غاضبًا وصارمًا بأن الوصاية الأردنية على القدس لها آلاف السنوات، وعلى السعودية الاهتمام بمكة والمدينة.

الأردن تلجأ لأمريكا

الخلافات الأردنية مع بعض الدول العربية وعلى رأسها السعودية، وقطع الأخيرة للمساعدات المالية عن عمان والتي كانت تقدر بـ250 مليون دولار كل شهرين ونصف، وعدم تجديد منحة المليار دولار السنوية التي جاءت في إطار خطة مساعدات خمسية خليجية قيمتها 5 مليار دولار، كل ذلك دفع الأردن إلى الارتماء في أحضان أمريكا، ما قد يحولها لرهينة للقرارات الأمريكية، وهو ما تُجيد واشنطن التعامل معه، حيث تعددت أوراق الابتزاز الأردنية في يد الولايات المتحدة، وباتت عمان مُطالبة بالتنازل عن العديد من مواقفها والتجاوب للعديد من شروط الإدارة الأمريكية، وظهر ذلك مؤخرًا في إعادة فتح السفارة الإسرائيلية في عمان.

فبعدما اتخذت المملكة الهاشمية مواقف شديدة الاعتراض، وتبنت لهجة عدائية إلى حد كبير تجاه الاحتلال الصهيوني تعليقًا على حادثة السفارة، وفرضت العديد من الشروط على الاحتلال لإعادة فتح سفارته، تراجعت الأردن فجأة العديد من الخطوات بإشارة أمريكية، وقبلت باعتذار إسرائيلي تم تقديمه على استحياء لامتصاص الغضب الشعبي، لتُعيد فتح السفارة بعد أيام من محادثات أمريكية أردنية، كما ظهر ابتزاز واشنطن لعمان في موقف الأخيرة من استمرار الولايات المتحدة الأمريكية كوسيط بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث خرج العاهل الأردني مؤخرًا ليؤكد على “مركزية الدور الأمريكي في أي عملية سلام”، وكان مقابل تلك التنازلات عدم تجميد المساعدات الأمريكية للأُردن، وتوقيع اتفاقية جديدة برفع المساعدات المالية الأمريكية للمملكة الهاشمية من مليار دولار إلى 1.5 مليار دولار سنويًا لمدة خمس سنوات، لتعويض النقص السعودي.

وساطة إماراتية

وسط الحديث عن خلافات أردنية- سعودية إماراتية، ظهرت تغريدة للعاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني، أعطت مؤشرات لقرب حلحلة الأزمة بين الطرفين؛ ففي تطور مفاجئ للعلاقات عبّر الملك الأردني عن “اعتزازه بدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة التي تجمعنا بها علاقات تاريخية وأخوية راسخة وعميقة”، خلال زيارته إلى أبوظبي، برفقة زوجته الملكة رانيا العبدالله، كما غرد الملك على موقع التدوينات القصيرة “تويتر” قائلًا: سعدت بلقاء أخي الشيخ محمد بن زايد، الذي لا تنقطع جهوده المباركة لرفعة شعبه ووطنه حتى أصبحت الإمارات مثالًا يحتذى به عالميًا، مضيفًا: “ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، هو قائد عربي نعتز به، وأخ لي شخصيًا ولكل أردني”.

وفي السياق، أكدت مصادر سياسية أردنية أن عمان وأبوظبي قررتا تجاوز الكثير من الخلافات بينهما دفعة واحدة، والعودة لمسارات التعاون الاستراتيجي أمنيًا وعسكريًا وبخصوص عملية السلام في الشرق الأوسط والملفات الإقليمية الأساسية، كما أشارت الأوساط الأردنية التي رافقت تفاصيل الزيارة، إلى احتمالية أن تلعب أبو ظبي في وقت قريب وقصير دورًا في تجاوز حالة البرود في العلاقات الأردنية السعودية، وأكدت المصادر أن الأمر قد يتطور إلى نوع من التدخل الإماراتي أو حتى وساطة لإزالة أي توترات في العلاقة بين الأردن والأمير محمد بن سلمان، خصوصًا بعد الأنباء عن عدم تفهم السعودية لدور الأردن في رعاية القدس وبعد اعتقال الملياردير صبيح المصري بأمر من “بن سلمان”.