أن تكون بسيطا

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

شاهدت بإحدى القنوات الفضائية فيلما وثائقيا عن مارك زوكربيرج، مبتكر موقع “فيسبوك” الشهير وخامس أغنى شخص فى العالم بثروة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات صنعها بمفرده قبل أن يبلغ الثلاثين من عمره.

ما لفت نظرى فى الفيلم هو بساطة شخصية مارك زوكربيرج، هذا الملياردير الشاب، وبساطة حياته وبعدها عن مظاهر التكلف. يعيش فى بيت صغير بالإيجار، وليس قصرا فخما من مائة غرفة، ويقود بنفسه سيارة هوندا صغيرة لم يغيرها منذ خمسة أعوام، ويذهب إلى مقر عمله، الشركة التى يعمل بها ثلاثة آلاف موظف، مرتديا قميصا بسيطا وبنطلون جينز. وعرض الفيلم لقطات تم تصويرها من مسافة بعيدة لمارك زوكربيرج دون أن يشعر، كان يسير على قدميه مع أحد الأصدقاء فى البلدة التى يعيش فيها، بدون حراس شخصيين، وقام بنفسه بشراء طعاما من مطعم صينى متواضع، وجلس هو وصديقه على حافة الرصيف بكل بساطة لتناول الطعام كما يفعل أى شخص عادى.

والملياردير الشهير ستيف جوبز، مؤسس شركة أبل، أكبر شركة فى العالم، كان أيضا بسيطا ومتواضعا مثل مارك زوكربيرج، يذهب إلى عمله منتعلا صندلا بسيطا، ويتجول داخل مكتبه حافيا، ويرتدى دائما تى شيرت أسود وبنطلون جينز أزرق، وعندما سُئل لماذا لا يرتدى غيرهما، قال إنه لا يريد أن يُضيع لحظة تفكير واحدة فيما سيرتديه اليوم.

والأم تريزا حين سافرت إلى أوسلو لاستلام جائزة نوبل للسلام عام 1979، كانت ترتدى كعادتها السارى الهندى البسيط، وفوق السارى كانت ترتدى سترة زرقاء كالتى يرتديها رجال البحرية، وفى قدميها كانت تنتعل صندلا متواضعا، وفى يدها كانت تحمل حقيبة من القماش صنعتها بنفسها، تضع فيها كل ما تملكه فى هذا العالم.

والرئيس الهندى السابق زين العابدين عبد الكلام، الرئيس المسلم الثالث للهند والعالم الكبير المعروف شعبيا بلقب “رجل الصواريخ”، بعد أن أدى القسم الدستورى وصار رئيسا للهند، دار معه طاقم قصر الرئاسة ليختار الجناح الذى سيقيم فيه من بين أجنحة القصر بالغة الفخامة، قال لهم: “لا، لن أقيم هنا، سأقيم فى بيتى، وأحضر يوميا لأداء عملى فى غرفة مكتب واحدة”. وضعهم الرجل فى مأزق، لم يخرجوا منه إلا بالموافقة على إقامته فى بيت رسمى متواضع بالقرب من القصر. وطلب منهم أن يبنوا له كوخا من القش تحت شجرة تين بنغالى كبيرة معمرة فى ركن معزول من حدائق القصر الخلفية، وقد ظل يلوذ بهذا الكوخ عن عالم السياسة وغرور السلطة.

وطوال فترة رئاسته التى امتدت خمسة أعوام، لم تتغير طبيعة الرجل البسيطة، ولم ينس جذوره المتواضعة، فكان عندما يزور أحد مراكز الأبحاث التى عمل بها فى بواكير حياته، يصر أن يقتطع من زيارته وقتا يلتقى فيه بصديقه الإسكافى الذى كان يرقع له حذاءه، فقد كان يعتبره حكيما، حلو الحديث، يسعد بالنقاش معه ويغتنى بآرائه البسيطة.

ما أجمل البساطة الناشئة عن وعى بحكمة الحياة وقراءة صادقة لحقيقة الإنسان، البساطة فى صورها الإنسانية المشرقة التى لا تعرف التزلف والتملق والكذب.

ما أجمل البساطة التى تقرب بين البشر وتزيدهم تلاحما وتعاونا لفهم احتياجات بعضهم البعض، البساطة التى لا تعترف بالفروقات الشكلية والتقسيمات المصطنعة. ما أجمل البساطة عندما تصبح صفة من صفات الحاكم، وسمة من سمات الغنى، وشعارا يرفعه العالم والفنان والمثقف والمفكر، فعلا لا قولا، ممارسة لا كلاما، البساطة التى تفتح الأبواب وتيسر الأمور.

وقديما قال الحكيم الصينى كونفوشيوس: “للسعادة رافدان أزليان، هما البساطة والطيبة”. والعالم الألمانى الكبير ألبرت إينشتين قال: “أعتقد أن طريقة الحياة البسيطة والمتواضعة هى الأفضل للجميع، وأفضل على حد سواء للجسم والعقل”. والزعيم الإنجليزى ونستون تشرشل قال: “كل الأشياء العظيمة هى بسيطة، ويمكن التعبير عن العديد منها فى كلمة واحدة: الحرية والعدالة والشرف والواجب والرحمة والأمل”. والروائى الأمريكى ريتشارد باخ قال: “أبسط الأشياء غالبا ما تكون الأصدق”.

ربما لن يقتنع الكثير من الناس بهذا الكلام، وهذا طبيعى ولا سيما فى ظل تجييش إعلامى حكومى لجعل الإنسان مجرد آلة تعمل لكى تأكل وتنام، ومن ثم تتكاثر لتنجب آلات أخرى تقوم بنفس وظيفتها. فقد اختفت البساطة من حياتنا المعاصرة، بل إنها اختفت من كل شىء إبتداء من الملبس، إلى المسكن، إلى التعامل، إلى الناس أنفسهم.

كانت البساطة فى الماضى هى دليل البشر فى العيش، ولكن رحلت البساطة وحلت مكانها الحياة المعقدة التى أخترعها الناس لأنفسهم، رغم أن الحياة، كما يقول الكاتب الإيرلندى أوسكار وايلد، “ليست معقدة، نحن المعقدون. الحياة بسيطة، والشىء البسيط هو الشىء الصحيح”.

الزعيم الهندى المهاتما غاندى كانت حياته أبسط من البساطة، متقشفة أكثر من حياة أفقر الفقراء فى الهند. فكان لا يملك إلا كوخا صغيرا بسيطا، هو الذى بناه بنفسه على ضفة أحد الأنهار، ويتغذى على حليب الماعز ويكمل الوجبة بقليل من الأرز والتمر والليمون، ولا يشرب الشاى أو القهوة أو الكحوليات, ولا يقتنى إلا صندلا بسيطا وثوبا أبيض من القطن الهندى ونظارته المستديرة الشهيرة. وحين دُعى لحفل استقبال فى قصر باكنجهام فى لندن، وذهب كما هو, يرتدى الثوب الأبيض, الذى يكشف جسمه النحيل أكثر مما يستره، نظر إليه أحد المدعوين الإنجليز الأثرياء فى امتعاض وسأله باستنكار: “أهذه ملابس تناسب لقاء الملك؟”، ابتسم غاندى ابتسامته الهادئة الودودة وقال: “اطمئن يا صديقى، فالملك يرتدى من الملابس ما يكفينى ويكفيك ويكفى كل المدعوين”.

الإنسان البسيط تسهل مناقشته، وهو الأقدر على التفاهم والحوار وعلى العفو عندما يرتكب الآخرون خطأ فى حقه، وعلى تقديم المساعدة والعون، ذلك لأنه يتعامل مع الحياة ببساطة، دون حواجز ولا تعقيدات.

أثناء الحرب العالمية الثانية، مر الجنرال دوايت أيزنهاور، الرئيس الأمريكى الرابع والثلاثين لاحقا، بجبهة القتال فى أوروبا فوجد مجموعة من الجنود يعملون بالطريق فيما يوبخهم قائدهم صغير السن، فترجل أيزنهاور من سيارته وساعد الجنود فى عملهم الشاق، وحين سأله القائد الصغير عن شخصيته قال له أيزنهاور: “أنا القائد الأعلى لقوات الحلفاء فى أوروبا”.

ويروى أيضا أن قطب صناعة السيارات الأمريكى هنرى فورد قد مر بأحد الشوارع فوجد رجلا وقد تعطلت سيارته، فعرض على صاحب السيارة المساعدة، فشكره الأخير وقال له إنه خبير فى ميكانيكا السيارات، وفى رحلة عودته من الشارع ذاته وجد السيارة المعطلة نفسها، فنزل فورد هذه المرة وأصلح العطل بسهولة، وحين دهش صاحبها الخبير المغرور، قال له فورد: “لا تحزن فأنا من اخترعها”. إن الشخص القوى ذو القيمة الحقيقية، غالبا ما يكون بسيطا ومتواضعا ولين الجانب، لا يعلن عن نفسه ولا يطلب من الناس أن يعرفوا من هو إلا وقت الضرورة وعند اللزوم.

أن تكون بسيطا فهذا هو أفضل شىء فى الحياة، لأن هذا يعنى أن تكون متواضعا ومتسامحا ومتعاونا ومحبا للبشر وكارها للتعالى والغرور والكبرياء المزيف وغير ذلك. فى البساطة نجد عقولنا التواقة إلى التلقائية، وفى البساطة نكتشف قلوبنا البريئة الطيبة، ونكتشف أيضا نفوسنا التى لم تتلوث بعد بمظاهر الحقد والحسد والكراهية والتى صارت تلاحقنا فى كل مكان.