“الأندلس”.. إضاءات على الحاضر

 

واحدة من الأدوات الدفاعية للأفراد وكذلك للأمم في أوقات أزماتها هى الهروب للماضي، تزداد هذه الرغبة كلما كان لهذا الماضي بريق، حتى إن لم يكن هناك بريق في ذلك الماضي، فإنهم يضفون عليه بريق كي يكون ملاذًا آمنّا للهروب من واقعهم المرير.

“الأندلس” نموذج معبر عن هذه الحالة، فطالما استدعى الحديث عنها حالة من الشجن والنوستالجيا المفرطة، تحولت معها “الأندلس” للفردوس المفقود بالنسبة لقطاع كبير من المسلمين العرب، ورغم مرور ثلاثة عشر قرنًا منذ دخول العرب للأندلس، وستة قرون منذ خروجهم منها، مازال العرب يبحثون عن فردوسهم المفقود.

الحديث عن الأندلس رغم كونه قراءة وتأمل للتاريخ إلا أنه يحمل إضاءات عديدة على الحاضر، بصورة يبدو معها التاريخ الإسلامي، وكأنه موجات متتالية قد تختلف في شكلها وقوتها لكن يظل محتواها متقارب بشدة، فما أشبه وضع العرب اليوم بمرحلة تفكك وانهيار الأندلس، حيث الغرق في الصراعات والحروب الداخلية.

يتطلب الحديث عن الأندلس وتاريخ المسلمين والعرب فيها أن نواجه الكثير من الأسئلة الحرجة والمسكوت عنها في تاريخنا وتراثنا، بدءًا من سؤال كيف يكتب التاريخ ومن يرويه؟، مرورًا بكيف تتحول الأساطير والحكايات الشعبية مع الوقت لحقائق ومتن تاريخي؟، وصولًا للنظر بعين فاحصه وناقدة لمحاولة فهم ما جرى وكيف جرى؟.

قراءة نقدية

في كاتبيه “دراسات في التاريخ الأندلسي” و”ثورات البربر في الأندلس” قدم الدكتور حمدي عبد المنعم حسين أستاذ والحضارة الإسلامية بجامعة الإسكندرية، قراءة نقدية لتاريخ الأندلس، بعيدًا عن حالة الهالة القداسة والحالة الأسطورية التي صنعتها المخيلة العربية، داعيًا القارىء للبحث والتفكير.

يتتبع حسين تاريخ الأندلس منذ البدايات مشيرًا إلى أن كلمة “الأندلس” ليست كلمة عربية، وقد اشتقها العرب من كلمة “فاندالوسيا”، وهو اسم مأخوذ عن قبائل الفاندال الجرمانية التي استقرت في المناطق الجنوبية من أسبانيا بعد هجرة طويلة من سواحل بحر الشمال، فأطلق اسمها على تلك المنطقة، قبل أن تطردها قبائل القوت وهى قبائل جرمانية أيضًا.

ويضيف:”مع سيطرة المسلمين على شبه الجزيرة الإيبيرية وهى المنطقة الواقعة في الجزء الجنوبي الغربي من قارة أوروبا وتضم كل من أسبانيا والبرتغال ومنطقة جبل طارق، أطلقوا عليها اسم الأندلس أو شبه الجزيرة الأندلسية، ومع تراجع قوة الأمبراطورية الإسلامية، أصبح مسمى الأندلس يشير للجنوب الأسباني، ثم أضحى بعد ذلك مرادفًا لمملكة غرناطة فقط، حتى سقطت في مطلع عام 1492 ميلاديًا وخرج المسلمين من أوروبا، لتنتهي الحضارة العربية في الأندلس، تاركة إرثا كبيرا من المعرفة والعلوم والصراعات والحروب أيضًا”.

يركز الكاتب على التاريخ السياسي للأندلس بوصفه أحد أبرز المتغيرات الاجتماعية التي ساهمت بصورة كبيرة في نشأة وتطور الحضارة الإسلامية على مدار تاريخها، مشيرًا إلى أن تاريخ الأندلس يمكن تقسيمه إلى عدة مراحل بدءًا من الفتح الإسلامي، وعصر الولاة، مرورًا بعصر الخلافة الأموية، ووصولًا لعصر ملوك الطوائف، موضحًا أنه رغم التقدم العلمي والمعرفي في معظم هذه العصور، إلا أنها شهدت اضطرابات سياسية عديدة، ليست فقط من مسيحي الشمال ولكن بين العرب والبربر”الأمازيغ”، وكذلك بين القبائل العربية وبعضها البعض وخاصة القيسيين والتميميين.

العرب والبربر/الأمازيغ

يستخدم الكاتب لفظ “البربر” لوصف القبائل الأمازيغية، والبربر لفظ لاتيني أطلقه الرومان على العرب والأمازيغ وغيرهم من القبائل ويعني البدائيين أو الهمجيين، ثم أعاد العرب استخدامه لوصف القبائل الأمازيغية، بينما كلمة ” أمازيغ” تعنى الإنسان الحر النبيل، هذه المراوحة بين المصطلحين تعكس واحدة من وجوه الأندلس القاسية حيث العنصرية والتفرقة العرقية والطبقية.

وفي هذا السياق يشير الكاتب إلى أن الفضل في فتح الأندلس يعود للبربر(الأمازيغ)، فقد كانت الغالبية العظمى لجيش طارق بن زياد من البربر، إلا أنهم عقب فتح الأندلس، عانوا من تمييز وعنصرية من العرب، وكانوا يعاملون بوصفهم مواطنين من الدرجة الثانية، هذه الأوضاع دفعتهم للقيام بالعديد من الثورات”.

الخروج من الأندلس

على العكس من الصراع بين العرب والبربر، أو حكام الأندلس وحكام الممالك المسيحية في أوروبا، يشير الكاتب إلى أن اليهود تمتعوا بمنزلة كبيرة في الحضارة الإسلامية بالأندلس، بعد أن عانوا من اضطهاد كبير من الطوائف المسيحية.

مشيرًا إلى أن التحدى الأكبر للمسلمين كان الممالك المسيحية في الشمال، بالإضافة لطائفة المستعربين وهم المسيحيين الذين تعلموا اللغة العربية وعاشوا تحت الحكم الإسلامي للأندلس، وقد اعتمد عليهم الأمويين في إدارة الشؤون الاقتصادية والزراعية في فترة حكمهم.

وأخيرا:”بوصول الأندلس لعهد ملوك الطوائف، وهى المرحلة التي تم تقسيم الأندلس فيها إلى عشرات المدن لكل واحدة منها حاكم مستقل، بدأ الانهيار الكبير في حضارة الأندلس، مع تزايد حدة الصراعات على الحكم، ومع زيادة قوة ونفوذ الممالك المسيحية في الشمال، حتى وصلنا إلى دولة بني الأحمر التي لم تكن تحكم من الأندلس سوى مدينة واحدة وهى غرناطة، وخرج منها المسلمون بعد استسلام الخليفة أبو عبد الله محمد، وتسليم غرناطة للملك فرناندو والملكة ايزابيلا”.