نقطة التحول

عاد غاندي إلى الهند بعد تخرجه فى إحدى جامعات بريطانيا كى يبدأ ممارسة مهنته كمحام، وعندما حان الوقت لتقديم أول مرافعة له أمام القاضى في قاعة المحكمة، لم يستطع النطق بأى كلمة، وشعر بالفزع عندما انطلق جميع من فى المحكمة بالضحك والسخرية منه، فناول حقيبته لأحد زملائه وغادر المكان.

كانت تلك بداية مهنته فى ساحة القضاء، ونهاية هذه المهنة فى الوقت ذاته، حيث قرر نتيجة الإهانة التى تعرض لها عدم الوقوف أمام منصة القضاء مرة أخرى، وسعى إلى الحصول على عمل أكثر تواضعا، لا يتطلب مثوله أمام المحكمة أو التحدث من فوق منبر عام.

وبعد وقت قصير سافر غاندى إلى جنوب أفريقيا من أجل تمثيل موكل هناك، وقطع تذكرة سفر درجة أولى فى قطار. ولأنه لم يكن مسموحا للملونين فى جنوب أفريقيا الركوب فى عربات الدرجة الأولى، أبلغ الكمسرى غاندى أنه يتوجب عليه الانتقال إلى إحدى عربات الدرجة الثالثة للجلوس فيها. رفض غاندى تنفيذ هذا الأمر العنصرى، فما كان من موظفى القطار إلا أن أنزلوه بالقوة فى المحطة التالية فى منتصف الليل من دون أن يمتلك معطفا يقيه من برد الشتاء القارس. جلس غاندى ما تبقى من الليل وهو يتأمل فى المظالم المذلة التى يتعرض لها شعبا الهند وجنوب أفريقيا اللذان يعيشان تحت حكم الاستعمار البريطانى. وتسببت هذه التجربة القاسية والمؤلمة التى تعرض لها ذلك المحامى الشاب الذى لا يتمتع بالجرأة والشجاعة، والذى لم يكن فى استطاعته أن يتخيل نفسه يخطب فى الجماهير من فوق منبر عام، تسببت فى تغيير كبير فى شخصيته، كان من شأنه إحداث فرق عظيم فى حياة أمة بأسرها، بل فى العالم، حيث استطاعت الهند على يديه الحصول على استقلالها، وألهمت فلسفته (الساتياجراها)، التى تقوم على العصيان المدنى والمقاومة السلمية وعدم استخدام العنف بشكل كامل، ألهمت العديد من حركات التحرر الوطنى فى جميع أنحاء العالم. ومن وقتها عُرف باسم المهاتما غاندى، والتى تعنى باللغة السنسكريتية الروح العظيمة.

المفكر الكبير الدكتور زكى نجيب محمود سمع ذات يوم كلمة تقال عنه، وهو فى نحو الرابعة عشر من عمره، تنصح أبيه بأن يكف عن تعليمه بسبب ضعف بصره، الذى حتما سيحول بينه وبين التعيين فى وظائف الحكومة، ومن ثم فلا داعي إلى التعليم ونفقاته. فكانت هذه الكلمة هى إحدى نقاط التحول الرئيسية فى مجرى حياته، إذ هى بدلا من أن تكون عنده عامل تثبيط وإحباط، كانت حافزا على مضاعفة القراءة ليثير الغيظ فى نفس قائلها، وما أن ضوعفت القراءة منذ تلك اللحظة، حتى أصبحت من حياته بمثابة الروح من الجسد، وواصل الدكتور زكى نجيب محمود تعليمه والحصول على الشهادات العليا من داخل مصر وخارجها، حتى أصبح من أكبر الفلاسفة والمفكرين فى عالمنا العربى.

إن فى حياة كل منا لحظات قدرية مثل تلك غيرت مجرى حياته، حتى أن المرء ليتساءل: كيف كانت ستكون حياته إذا لم تكن هذه اللحظة؟ ونقطة التحول فى حياتنا قد تكون بغير تخطيط منا كما حصل لغاندى فى محطة القطار، وقد تكون بتخطيط ودراية، كما فعل الدكتور زكى نجيب محمود بعد أن سمع ما سمع، فكلا الحالين قد يحدث لنا فى معترك الحياة، ومن تعامل مع نقطة تحوله بجدية وفاعلية يحصد ثمار هذا التغيير وتلك الرؤية الجديدة للحياة، فنقطة التحول عبارة عن حدث عظيم مر عليك فى حياتك، وأصبحت بعده مختلفا تماما عما قبله.

لكن ليس بالضرورة أن تكون نقطة التحول بالحدث الكبير دائما، فربما حادثة تبدو لأعين الآخرين تافهة لا تستحق الوقوف عندها، فإذا هى عندك نقطة تحول فى طريق حياتك بأسرها، لما كان لها فى نفسك من آثار عميقة. فنقطة التحول قد تكون موقفا مؤثرا استفز فيك شرارة التحدى، أو كلمة سمعتها فوقعت من نفسك موقعا أعمق مما بدا للآخرين، أو إنسانا التقى بك فكان له أعمق الأثر فى شخصيتك وأفكارك.

هناك من الناس من لا يؤمن بهذه الفكرة على أساس أن حياة الإنسان تسير على خط ثابت, فلا وجود لنقاط تحول أو منعطفات, وهناك من لا يدرك أن ذاك الحدث فعلا  هو نقطة تحول فى حياته، وهناك من تكون نقطة التحول فى حياته سلبية، فقد يصاب بمصيبة ولا يصبر معها، فتتغير حياته للأسوأ، وآخر قد يتعرف على صديق سوء يكتسب منه بعض العادات السلبية التى تؤثر عليه بقية حياته، فهذه التحولات فى الحياة لها مرارتها، واكتشافها مبكرا ومعالجتها خير من الاستمرار فيها وتفاقمها.

 

الفائز الأكبر من يستطيع أن يستشف مسبقا أن هذا الموقف سيغير حياته إلى الأفضل فيبنى قراره على ذلك, والفائز الأقل من يدرك متأخرا أن مسار حياته قد بدأ يتغير، ويبدأ بالتكيف مع هذا التغيير فيكون له رافدا للنجاح لا عاملا للفشل, والخاسر بكل تأكيد من يمر على هذه المواقف وكأن شيئا لم يحدث, فتبقى مسيرة حياته كما هى دون تغيير.

الخطأ الكبير الذى يرتكبه الكثيرون وينعكس سلبيا على مسار حياتهم هو عدم الثقة بإمكانية التغير أو التحول. قد يمر أحدهم فى حياته بنقطة بل بنقاط تحول كثيرة يبدأ معها بالتحول فعلا دون أن يريد أو يخطط، لكن بزوال الحالة النفسية أو الظروف المصاحبة للموقف سرعان ما يعود إلى السلبية، فلا يقتنع أنه تغير، ولا يجرؤ على الاستمرار فيعود إلى مسار حياته السابق. الشىء الذى يجب أن يعلمه كل من يجد نفسه غير راض عن مسار حياته هو أن محرك عملية التغيير هو قراره فقط، وما المواقف التى قد تتحول إلى نقاط تحول فى مسيرة حياته إلا زيوت ووقود للمحرك الذى هو قراره.

ثق بنفسك وقرر أن تتغير وستتغير. المعادلة بسيطة وكل شىء سيأتى بعد قرارك بما فى ذلك إرادة التنفيذ والثبات، بشرط أن تثق بنفسك وأن تتخذ قرارا – تقنع نفسك قبل الآخرين – بأنك لن ترجع عنه أبدا.