من “يناير” إلي الشعب السيد: املأوا الأرض بترانيم الميدان!

هي روح يناير تصحو من جديد.

أعرفها جيداً.. أُغمض عيني فأبصرها آتية من بعيد، تفوح منها رائحة الغاز والدماء وعطر الشهيد.

أُنصت إليها فأسمعها تقول بصوت يشوبه الغضب إن الظلم قد جاوز مداه، فبات من المستحيل التخاذل أمام صرخات البسطاء والضعفاء والمقهورين.

أشعر بنسماتها تسري في جسد أنهكته طعنات الجلاد، فامتلأ بالندبات الغائرة حتي صار جثة ملقاة علي قارعة الطريق، تنهشها الغربان والنسور وآكلي لحوم الضمير.

يناير هي نداء الحق والعدل والحرية، هي الأمل والمستقبل والمصير.. فكيف لها يوماً أن تأفل أو تغيب؟.

إلي من ظنوا أن ساعة الحساب قد ولت، وأنوار المجد قد انطفأت، فها هي روح يناير أوشكت علي الوصول ثانية، تُمسك في يدها هذه المرة بسيف القصاص لتجتز رقبة كل جبار لعين.

تُنذر كل طاغٍ ومتلون وماكر وجبان بقبضة من جحيم، وبعقاب عسير لم يألفوا مثله، ويومها سيهرول المغرورون بقوتهم والمنتشيون بطغيانهم من فرط ذعرهم، وعبثاً أن يجدوا حينها وليّ لهم ولا نصير.

هي روح يناير الباطشة بالطغاة والمستبدين، الحانية برفق علي صرخات المظلومين والمكلومين، وهي المناصرة لكل صوت ينادي بالمساواة والكرامة للناس أجمعين.

هي روح يناير التي أرادت يوماً أن تُحرر الأسري والعبيد، فغدرتم وخنتم واخترتم بإرادتكم الأصفاد والأسر من جديد.

هي روح يناير التي تسألكم الآن بلا ضغينة أو شماتة: هل أصبحتم اليوم سعداء أم تعساء أم أراكم في التيه قد ضللتم السبيل؟

يا ويلكم إن كذبتم فقلتم أنكم في أحسن حال مسرورين، فها هي روح يناير تراكم وترقبكم وتوقن بأنه قد حق الرثاء لأغلبكم بعد أن صرتم رُكعاً للخوف، ولإله صنعتموه بأيديكم ثم سجدتم له خانعين.

الآن تسألونني بلهفة مريض يتوق إلي الدواء: أما عاد هناك أمل في الشفاء من هذا السقم المميت؟.

في يوم سابق كان شعاع الأمل يملأ كل ركن في الوطن فكرهتموه، وفضلتم بإرادة حرة أن تحيوا مختبئين تحت جنح الظلمات، خدماً لبشر مثلكم وطوعي لأمرهم، غير مصدقين أن الإنسانية ليست هبة الحاكم بل هي مكرمة من رب العالمين.

قال أحد دعاة الإنسانية في مرة: “استطعت تحرير ألفاً من العبيد وكنت علي استعداد لأن أحرر المزيد منهم، فقط لو كانوا يعرفون أنهم عبيداً”.. فكيف تنتظرون من سلطان جائر أن يمنحكم طوق الحرية طوعاً؟. حقاً ما رأيت في حماقتكم أحد، فأنتم أشبه في حالكم هذا بمن ينتظر حتي يُغرد الديناصور كالعصفور.

هي حياتكم سثُسألون عنها وحدكم، فكيف تسلمونها هكذا باستسلام بغيض إلي من يريدها لنفسه، ولخدمه سلطانه وهيبته ونفوذه؟.. هو وطنكم وحدكم ستُسألون عما قدمتم لإعلاء رايته وعزته، فكيف تتركونه لشخص وحيد لا شاغل عنده سوي تقوية دعائم عرشه وإطالة فترة حكمه إلي أبد الآبدين؟.

“يناير” ليست لحظة خاطفة ولا نشوة زائفة ولا خمر سرعان ما يزول مفعوله المُسكر بعد حين، بل هي رسالة حق خالدة لن تُزهق روحها أو تتمزق أوراقها بأثر سفاهة وحماقة الجاهلين.

تقول “يناير” في آخر رسائلها لأهل مصر: “لا أملك إغاثتكم إلا إذا نفضتم عن أنفسكم أولاً غبار الخوف والإذعان، ولتؤمنوا بأن من صنع المجد يوماً في الميدان قادر علي أن يُلجم القهر والظلم كائناً ما كان.. يا أهل مصر اقبضوا علي الجمر ساعة فتعيشون أحراراً بقامات مرفوعة لعنان السماء.. فالنصر دوماً حليف كل محارب لأجل العدل والسلام، والخزي هو المصير المحتوم لكل رعديد جبان”!.